حكيم ومعه مائة بدنة قد أهداها وجللها الحبرة ، وقف مائة وصيف يوم عرفة في أعناقهم
أطوقة الفضة قد نقش في رؤسها : عتقاء الله عز وجل عن حكيم وأعتقهم ، وأهدى
ألف شاة ( 1 ) .
إلى أناس آخرين لدة هؤلاء من أهل اليسار . فلم تسمع أذن الدنيا إن أبا ذر
وجه إلى أحد من هؤلاء الأثرياء لوما لأنه كان يعلم بأنهم اقتنوها من طرقها المشروعة
وأدوا ما عليهم منها وزادوا ، وراعوا حقوق المروءة حق رعايتها ، وما كان يبغي بالناس
إلا هذه .
لماذا يرى أبو ذر بناء معاوية الخضراء في دمشق فيقول : يا معاوية ! إن كانت هذه
الدار من مال الله ؟ فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك ؟ فهذا الإسراف . فسكت معاوية
ويقول أبو ذر : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه ،
والله إني لأرى حقا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذب ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا
مستأثر عليه ( 2 ) .
ويرى بناء المقداد داره بالمدينة بالجرف وقد جعلها مجصصة الظاهر والباطن
كما في مروج الذهب 1 : 434 فلا ينكره عليه ولا ينهاه عنه ولا ينبس ببنت شفة ، وليس
ذلك إلا لما كان يراه من الفرق الواضح بين المالين والبنائين وصاحبيهما .
وأما وجوب إنفاق المال الزائد على القوت كله الذي عزاه إلى سيدنا أبي ذر
المختلقون فمن أفائكم المفتريات ، لم يدعه أبو ذر ولا دعا إليه وكيف يكون ذلك ؟ وأبو ذر
يعي من شريعة الحق وجوب الزكاة ؟ وهل يمكن ذلك إلا بعد اليسار والوفر الزائد على
المؤن ؟ والله سبحانه يقول : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ، وفي تنكير
الصدقة و ( من ) التبعيض دلالة على أن المأخوذ بعض المال لأكله .
على إن النصب الزكوية المضروبة في النقدين والأنعام والغلات كلها نصوص
على إن الباقي من المال مباح لأربابه ، ولأبي ذر نفسه في آداب الزكاة أحاديث أخرجها
البخاري ومسلم وغيرها من رجال الصحاح وأحمد والبيهقي وغيرهم .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة لابن الجوزي 1 : 304
( 2 ) راجع ما مر ص 304 .