بما لم يطر به غيره وقر به وأدناه وعلمه وإذا غاب عنه تفقده ، وشهد إنه شبيه عيسى بن
مريم هديا وسمتا وخلقا وبرا وصدقا ونسكا وزهدا . فبماذا يؤدب ؟ ولما ؟ وأي
تأديب هذا يراه النبي الأعظم بلاء في الله ؟ ويأمر أبا ذر بالصبر وهو يقول : مرحبا بأمر
الله . وبم ولم استحق أبو ذر التأديب ؟ وعمله مبرور مشكور عند المولى سبحانه ،
ويراه مولانا أمير المؤمنين غضبا لله ويقول له : فارج من غضبت له ( 1 ) .
نعم : يجب أن يكون أبو ذر هو المؤدب للناس لما حمله من علم النبوة وأحكام
الدين وحكمه ، والنفسيات الكريمة ، والملكات الفاضلة التي تركته شبيها بعيسى بن
مريم في أمة محمد صلى الله عليه وآله .
ما بال الخليفة يتحرى تأديب أبي ذر وهو هذا ، ويبهظه تأديب الوليد بن عقبة
السكير على شرب الخمر واللعب بالصلاة المفروضة ؟ .
ويبهظه تأديب عبيد الله بن عمر على قتل النفوس المحترمة .
ويبهظه تأديب مروان وهو يتهمه بالكتاب المزور عليه .
ويبهظه تأديب الوقاح المستهتر المغيرة بن الأخنس وهو يقول له : أنا أكفيك
علي بن أبي طالب . فأجابه الإمام بقوله : يا ابن اللعين الأبتر والشرة التي لا أصل لها
ولا فرع أنت تكفيني ؟ فوالله ما أعز الله من أنت ناصره الخ ( 2 ) .
ما بال الخليفة يطرد أبا ذر ويردفه بصلحاء آخرين ويرى الإمام الطاهر أمير المؤمنين
أحق بالنفي منهم ( 3 ) ويأوي طريد رسول الله الحكم وابنه ويرفدهما وهما هما ؟ .
ما بال الخليفة يخول مروان مهمات المجتمع ؟ ويلقي إليه مقاليد الصالح العام ؟
ولم يصخ إلى قول صالح الأمة مولانا أمير المؤمنين له : أما رضيت من مروان ولا رضي
منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ؟ والله ما
مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه ، وأيم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك وما أنا بعائد
بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك ، وغلبت على أمرك ، يأتي تمام الحديث في الجزء
التاسع إن شاء الله تعالى .
هامش
( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء صفحة 300 .
( 2 ) نهج البلاغة 1 : 253 .
( 3 ) سيوافيك حديثه في مواقف عمار إن شاء الله تعالى .