إلى الربذة . قال " أبو ذر " الله أكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني بكل ما أنا لاق
قال عثمان : وما قال لك ؟ قال : أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة .
الحديث .
هذا أبو ذر
وفضايله وفواضله وعلمه وتقواه وإسلامه وإيمانه ومكارمه وكرائمه ونفسياته
وملكاته الفاضلة وسابقته ولاحقته وبدء أمره ومنتهاه ، فأيا منها كان ينقمه الخليفة عليها
فطفق يعاقبه ويطارده من معتقل إلى منفي ، ويستجلبه على قتب بغير وطاء ، يطير مركبه
خمسة من الصقالبة الأشداء حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن
يتلف ، ولم يفتأ يسومه سوء العذاب حتى سالت نفسه في منفاه الأخير " الربذة " على
غير ماء ولا كلاء يلفحه حر الهجير ، وليس له من ولي حميم يمرضه ، ولا أحد من قومه
يواري جثمانه الطاهر ، مات رحمه الله وحده ، وسيحشر وحده كما أخبره رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم الذي خوله بتلكم الفضائل ، والله سبحانه من فوقهما نعم الخصيم للمظلوم ،
فانظر لمن الفلج يومئذ .
لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامته ومن ازدلف إليه ممن يجري
مجراهم ، فملكوا من عطاياه وسماحه الملايين ، وليس فيهم من يبلغ شأو أبي ذر في السوابق
والفضائل ، ولا يشق له غبارا في أكرومة ، فماذا الذي أخر أبا ذر عنهم حتى قطعوا عنه
عطائه الجاري ؟ ومنعوه الحظوة بشئ من الدعة ، وأجفلوه عن عقر داره وجوار النبي
الأعظم ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ، ولماذا نودي عليه في الشام أن لا يجالسه
أحد ( 1 ) ؟ ولماذا يفر الناس منه في المدينة ؟ ولماذا حظر عثمان على الناس أن يقاعدوه
ويكلموه ؟ ولماذا يمنع الخليفة عن تشييعه ويأمر مروان أن لا يدع أحدا يكلمه ؟
فلم يحل ذلك الصحابي العظيم إلا محلا وعرا ، ولم يرتحل إلا إلى متبوأ الارهاب
كأنما خلق أبو ذر للعقوبة فحسب ، وهو من عرفته الأحاديث التي ذكرناها ، وقصته
لعمر الله وصمة على الاسلام وعلى خليفته لا تنسى مع الأبد .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 4 : 168 .