على الإطلاق ، ومع ذلك كان يقصر صلاته في أسفاره ، ولا يعزى إليه إنه ربع بمكة
أو في منى أو بعرفة أو بغيرها ، وإنما اتبع ما استنه للأمة جمعاء وبهذا رده ابن القيم
في زاد المعاد ، وابن حجر في فتح الباري 2 : 456 .
أضف إليه هتاف النبي الأعظم وأبي بكر وعمر بن الخطاب بما مر ص 107 من
قولهم : أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سفر . فإنه يعرب عن إن حكم القصر
والاتمام يعم الصادع الكريم ومن أشغل منصة الخلافة بعده .
على إنه لو كان تربيع الرجل من هذه الناحية لوجب عليه أن يهتف بين الناس
بأن ذلك لمقام الإمامة فحسب ، وأما من ليس له ذلك المقام فحكمه التقصير ، وإلا
لكان إغراء بالجهل بعمله ، وإبطالا لصلاتهم بترك البيان ، فإذ لم يهتف بذلك ولم يعلل
عمله به جوابا لمنقديه علمنا إنه لم يرد ذلك ، وإن من تابعه من الصحابة لم يعللوا عمله
بهذا التعليل ، وإنما تابعوه دفعا لشر الخلاف كما مر في صفحة 99 ، 102 وهذا ينبئ عن
عدم صحة عمله عندهم .
ويشبه هذا التشبث في السقوط ما نحتوه لأم المؤمنين عائشة في تربيعها الصلاة
في السفر بأنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت فكان وطنها كما ذكره ابن القيم في زاد
معاده 2 : 26 ، فإن كان لأم المؤمنين هذا الحكم الخاص ؟ وجب أن تكون أمومتها منتزعة
من أبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن ثبوت الحكم في الأصل أولى من الفرع ، لكن رسول
الله كان يصلي في أسفاره عامة ركعتين ، وليس من الهين تغيير حكم الله بأمثال هذه
السفاسف ، ولا من السهل نحت العذر لكل من يخالف حكما من أحكام الدين لرأي
ارتآه ، أو غلط وقع فيه ، أو لسياسة وقتية حدته إليه ، ولا ينقضي عجبي من العلماء الذين
راقتهم أمثال هذه التافهات فدونوها في الكتب ، وتركوها أساطير من بعدهم يهزأ بها .
5 - إن التقصير للمسافر رخصة لا عزيمة ، ذكره جمع ، وقال المحب الطبري
في الرياض 2 : 151 : عذره في ذلك ظاهر ، فإنه ممن لم يوجب القصر في السفر . وتبعه
في ذلك شراح صحيح البخاري ، وهذا مخالف لنصوص الشريعة ، والمأثورات النبوية ،
والسنة الشريفة الثابتة عن النبي الأقدس ، وكلمات الصحابة ، وإليك نماذج منها :
1 - عن عمر : صلاة السفر ركعتان ، والجمعة ركعتان ، والعيد ركعتان تمام غير
الغدير — صفحة 110
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص١١٠