وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب
محى الله منها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب
- 13 -
وصية أبي طالب عند موته
عن الكلبي قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم
فقال : يا معشر قريش ! أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب ، فيكم السيد المطاع ،
وفيكم المقدام الشجاع ، الواسع الباع ، وأعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا
إلا أحرزتموه ، ولا شرفا إلا أدركتموه ، فلكم بذلك على الناس فضيلة ، ولهم به إليكم
الوسيلة ، والناس لكم حرب وعلى حربكم إلب ، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية
( يعني الكعبة ) فإن فيها مرضاة للرب ، وقواما للمعاش ، وثباتا للوطأة ، صلوا أرحامكم
ولا تقطعوها ، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل ، وزيادة في العدد ، واتركوا البغي
والعقوق ففيهما هلكة القرون قبلكم ، أجيبوا الداعي ، وأعطوا السائل فإن فيهما شرف
الحياة والممات ، وعليكم بصدق الحديث ، وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ،
ومكرمة في العام ،
وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش ، والصديق في العرب ،
وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به ، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان ، وأنكره اللسان
مخافة الشنآن ، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين
من الناس قد أجابوا دعوته ، وصدقوا كلمته ، وعظموا أمره ، فخاض بهم غمرات
الموت ، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنا با ، ودورها خرابا ، وضعفاؤها أربابا ،
وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه ، وأبعدهم منه أحظاهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ،
وأصفت له فؤادها ، وأعطته قيادها ، دونكم يا معشر قريش ! ابن أبيكم ، كونوا له
ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك سبيله إلا رشد ، ولا يأخذ أحد بهديه
إلا سعد ، ولو كان لنفسي مدة وفي أجلي تأخير ، لكففت عنه الهزاهز ، ولدافعت
عنه الدواهي .