صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام ، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي ! قال : فأقبل عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ أبدا .
ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه
وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له :
يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره
واتخذه ولدا فهو لك وأسلم إلينا ابن أخيك ، هذا الذي قد خالفك دينك ودين آبائك
وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل ، قال : والله لبئس
ما تسومونني ، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ ! هذا والله ما لا
يكون أبدا . قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل : والله يا أبا طالب ! لقد أنصفك قومك
وجهدوا على التخلص مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ، فقال أبو طالب
للمطعم : والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما
بدا لك أو كما قال .
قال : فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، وبادى بعضهم بعضا ، فقال
أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من عبد مناف ومن عاداه
من قبائل قريش ، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم :
ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظي من حياطتكم بكر ( 1 )
من الخور حبحاب كثيرة رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر ( 2 )
تخلف خلف الورد ليس بلا حق * إذا ما علا الفيفاء قيل له : وبر ( 3 )
أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا : إلى غيرنا الأمر
بلى لهما أمر ولكن تجرجما * كما جرجمت من رأس ذي علق صخر ( 4 )
هامش
( 1 ) البكر : القتى من الإبل .
( 2 ) الخور ج أخور : الضعيف حبحاب بالمهملتين : القصير . ويروى بالجيمين المعجمتين :
الكثير الكلام . ويروى بالخاء المعجمة ومعناه : الضعيف .
( 3 ) الفيفاء الأرض القفر . وبر : دويبة على قدر الهرة ،
( 4 ) تجرجما : سقطا وانحدرا ، يقال : تجرجم الشئ إذا سقط . ذو علق : جبل في ديار
بني أسد .