وهو لا يعرف الرجل ولم يخش من الفضيحة ، ولماذا أوقفه على أمر أبيه وعواره
وقد كان يستخفيه ويظهر للناس موته ؟
وأنى يصدق بأن رجلا قطع لسانه دون مبدئه وحبه لخليفته قد استخفى
قصته ، وما أشاع بها ، وما صاح وما باح بمظلمته ، وما أبان أمره عند قومه ، وما
أفاض عن شأنه بكلمة ، ولا يمم قاضيا ولا حاكما ولا الدوائر الحكومية الصالحة للنظر
في مظلمته من عدلية أو دائرة شرطة ، وعقيرته مرفوعة من شدة الألم ، ولم يزل القوم
يتربص الدوائر على الشيعة ، ويختلق عليهم طامات كهذه .
وأنى يصدق أنه لما خرج من دار من جنى عليه وهو مقصوص اللسان
وقد ملأ فمه دمه ، ولاذ بالحجرة الشريفة باكيا قلقا من شدة الألم ، ما باه له أي
أحد ، وما عرفت مع هذه كلها من أمره قذ عملة ، ولا تنبه لأمره سدنة الحضرة
الشريفة ؟
وما بال الرجل لم يمط الستر في وقته عن جناية عدو خليفته ، ولم يفش سره ،
ولم يعلن كرامة الصديق ، ولم يفضح عدوه ، ولم يعرب عن هذه المكرمة الغالية ،
ولم يقرط الآذان بسماعها ، وينبس أمره ولم ينبشه ، كأن لسانه بعد مقطوع ، وأنه
لم يجده في فيه صحيحا ؟ أو رضي بأن يفشفش ( 1 ) بعده أعلام قومه ؟
وإن تعجب فعجب عود هذا الشحاذ الجرئ إلى سؤاله مرة ثانية في سنته
القابلة بعد أن رأى ما رأى قبل أن أعوم ، ووقوفه في ذلك الموقف الخطر في قبة العباس
يوم عاشوراء ، ومضيه من دون أي تحاش إلى تلك الدار التي وقعت فيها واقعته الخطرة
الهائلة ، ودخوله فيها رابطا جأشه ، وإلقاءه نفسه إلى التهلكة ، ولم يكن يعرف شيئا من
قصة الشيعي ومسخه ، ولا من حنو الشاب وعطفه ، وقد قال الله تعالى : ولا تلقوا
بأيديكم إلى التهلكة .
ولعله كان في هذه كلها على ثقة وطمأنينة من أنه قط لا يبقى بلا لسان ، وأن
لسانه مهما قطع يرد إليه كما كان من بركة الخليفة ، وهو في حسبانه هذا وقدومه إلى
المهالك مجتهد وله أجره وإن أخطأ كاجتهاد سلفه .
هامش
( 1 ) فشفش : أفرط في الكذب ، وانتحل ما لغيره