أهلي وولدي قالت : فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ( 1 ) فلما منعها ميراثها ، وبخسها حقها
واعتل عليها ، وجلح أمرها ، وعاينت التهضم ، وأيست في التورع ، ووجدت نشوة
الضعف وقلة الناصر ، قالت : والله لأدعون الله عليك . قال : والله لأدعون الله لك . قالت
والله لا كلمتك أبدا قال : والله لا أهجرك أبدا . فإن يكن ترك النكير على أبي بكر
دليلا على صواب منعها ، أن في ترك النكير على فاطمة دليلا على صواب طلبها ؟ وأدنى
ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت ، وتذكيرها ما نسيت ، وصرفها عن الخطأ ،
ورفع قدرها عن البذاء ، وأن تقول هجرا ، وتجور عادلا ، أو تقطع واصلا ، فإذا لم نجدهم
أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب ، والرجوع إلى أصل
حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم ، وأوجب علينا وعليكم .
فإن قالوا : كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها ، وكلما ازدادت عليه غلظة ازداد
لها لينا ورقة . حديث تقول له : والله لا أكلمك أبدا . فيقول : والله لا أهجرك أبدا . ثم
تقول : والله لأدعون الله عليك . فيقول : والله لأدعون الله لك ثم يتحمل منها هذا
الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة
إلى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة ، ثم لم يمنعه ذلك عن أن قال معتذرا
متقربا كلام المعظم لحقها ، المكبر لمقامها ، الصائن لوجهها ، المتحنن عليها : ما
أحد أعز علي منك فقرا ، ولا أحب إلي منك غنى ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة
قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور ، وقد يبلغ
من مكر الظالم ودها ، الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم ،
وذلة المنتصف ، وحدب الوامق ، ومقت المحق ، وكيف جعلتم ترك النكير حجة
قاطعة ودلالة واضحة ؟ وقد زعمتم أن عمر قال على منبره : متعتان كانتا على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم : متعة النساء ومتعة الحج ، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ( 2 ) فما وجدتم
هامش
( 1 ) هذا الحديث أخرجه أحمد في المسند 1 ص 10 ، والبلاذري في فتوح البلدان ص 38 ،
وابن كثير في تأريخه 5 ص 289 .
( 2 ) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا ص 211 ط 2 .