عليه ، ولو ضيع القوم جميعا وحفظ هو لانتصر وكانت الدولة له ، ولهذا لا يضاف النصر ،
والهزيمة إلا إليه . ففضل أبي بكر بمقامه في العريش مع رسول الله يوم بدر أعظم من
جهاد علي ذلك اليوم وقتله أبطال قريش . ا ه .
قال الأميني : نحن لا ننبس في الجواب عن هذه الأساطير المشمرجة ببنت شفه ،
وإنما نقتصر فيه بما أجاب به عنها أبو جعفر الإسكافي المعتزلي البغدادي المتوفى 240
قال في الرد عليها ( 1 ) :
لقد أعطي أبو عثمان مقولا وحرم معقولا ، إن كان يقول هذا على اعتقاد
وجد ، ولم يذهب به مذهب اللعب واللهو ، أو على طريق التفاصح والتشادق وإظهار
القوة والسلاطة وذلاقة اللسان وحدة الخاطر والقوة على جدال الخصوم . ألم يعلم
أبو عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشجع البشر وأنه خاض الحروب وثبت في المواقف
التي طاشت فيها الألباب ، وبلغت القلوب الحناجر ؟ فمنها يوم أحد ووقوفه بعد أن فر
المسلمون بأجمعهم ولم يبق معه إلا أربعة : علي . والزبير . وطلحة . وأبو دجانة ، فقاتل
ورمي بالنبل حتى فنيت نبله وانكسرت سية قوسه ، وانقطع وتره ، فأمر عكاشة بن
محصن أن يوترها فقال : يا رسول الله لا يبلغ الوتر ، فقال : أو تر ما بلغ . قال عكاشة : فوالذي
بعثه بالحق لقد أوترت حتى بلغ وطويت منه شبرا على سية القوس ، ثم أخذها فما
زال يرميهم حتى نظرت إلى قوسه قد تحطمت ، وبارز أبي بن خلف فقال له أصحابه :
إن شئت عطف عليه بعضنا ؟ فأبي وتناول الحربة من الحارث بن السمت ثم انتفض بأصحابه
كما ينتفض البعير قالوا : فتطايرنا عنه تطاير الشعارين فطعنه بالحربة فجعل يخور كما
يخور الثور ، ولو لم يدل على ثباته حين انهزم أصحابه وتركوه إلا قوله : " إذ تصعدون
ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم " فكونه صلى الله عليه وسلم في أخراهم وهم يصعدون
ولا يلون هاربين دليل على أنه ثبت ولم يفر . وثبت يوم حنين في تسعة من أهله ورهطه
الأدنين ، وقد فر المسلمون كلهم والنفر التسعة محدقون به ، العباس آخذ بحكمة بغلته ،
وعلي بين يديه مصلت سيفه ، والباقون حول بغلته يمنة ويسرة ، وقد انهزم المهاجرون
والأنصار ، وكلما فروا أقدم هو صلى الله عليه وسلم وصمم مستقدما يلقي السيوف والنبال بنحره
هامش
( 1 ) رسائل الجاحظ ص 54 ، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 275 .