يقاتل النبي دون التنزيل ، وإظهار ما لم يتسن للنبي الإشادة به إما لتأخر ظرفه ، أو
لعدم تهيأ النفوس له ، أو لغير ذلك من العلل ، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي
الواجب عليه بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية ، ولذلك خلقهم
واستعبدهم وعلمهم ما لم يعلموا ، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل .
ولكن خلقهم ليعرفوه ، وليمكنهم من الحصول على مرضاته ، وسهل لهم الطريق إلى
ذلك ببعث الرسل ، وإنزال الكتب ، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة ، وبما أن أي
نبي لم ينط عمره بمنصرم الدنيا ، ولا قدر له البقاء مع الأبد ، وللشرايع ظروف مديدة ،
كما أن للشريعة الخاتمة أمد لا منتهى له ، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين
وفي كل منهما نفوس لم تكمل بعد ، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة ، وأخرى
لم تأت ظروفها ، ومواليد قدر تأخير تكوينها ، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة
سدى والحالة هذه ، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف والواجب عليه سبحانه شرع
سواء ، فيجب عليه جلت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه ، ويزيح شبه
الملحدين ببرهانه ، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه ، ويدرع عن الدين عادية أعدائه بسيفه
وسنانه ، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه .
ومهما كان للمولى جلت مننه عناية بعبيده ، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم ،
وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة ، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العباء الثقيل ويمثل
مخلفه الرسول في الوظايف كلها ، فينص عليه بلسان ذلك النبي المبعوث ولا يجوز
أن يخلي سربهم ، ويتركهم سدى ، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه : إن الناس
يتحدثون أنك غير مستخلف ، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته
رأيت أن قد فرط - لرأيت أن قد ضيع - ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم ، ماذا
تقول لله عز وجل إذ لقيته ولم تستخلف على عباده ؟ ( 1 )
وقالت عائشة لابن عمر : يا بني أبلغ سلامي وقل له : لا تدع أمه محمد بلا
هامش
( 1 ) سنن البيهقي 8 ص 149 عن صحيح مسلم ، سيرة عمر لابن الجوزي ص 190 ، الرياض
النضرة 2 ص 74 ، حلية الأولياء 1 ص 44 ، فتح الباري 13 : 175 عن مسلم .