وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي حديثا فيه : ثم نزلت الرابعة التي
في المائدة فقال عمر بن الخطاب : انتهينا يا ربنا ( 1 ) .
قال الأميني : لم نرم بسرد هذه الأحاديث إثبات شرب الخمر على الخليفة أيام
الجاهلية إذ الاسلام يجب ما قبله ، وليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح
فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا
وأحسنوا ، والله يحب المحسنين - سورة المائدة - بل الغاية المتوخاة إيقاف القارئ
على مبلغ علم الخليفة بالكتاب ، وحد عرفانه مغازي آيات الله وإنه لم يكن يعرف
الحظر من قوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير . وقد نزل بيانا
للنهي عنها ، وعرفته الصحابة منه وقالت عائشة : لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم
الخمر فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ( 2 ) ولا يكون بيان شاف في مقام الإعراب عن
الخطر والحظر أولى منها ولا سيما بملاحظة أمثال قوله تعالى : إنما حرم ربي الفواحش
ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي . من الآيات الواردة في الإثم فقد حرمت بكل صراحة
الإثم الذي هتفت الآية الأولى بوجوده في الخمر ، والإثم : الذنب ، والآثم والأثيم
الفاجر . وقد يطلق على نفس الخمرة كقول الشاعر :
نشرب الإثم بالصواع جهارا * وترى المسك بيننا مستعارا
وقول الآخر :
شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول ( 3 )
وليست منافع الخمر إلا أثمانها قبيل تحريمها وما يصلون إليه بشربها من اللذة وقد
نص على هذا كما في تفسير الطبري 2 ص 202 .
وقال الجصاص في أحكام القرآن 1 ص 380 : هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر ،
لو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية ، وذلك لقوله : " قل فيهما إثم كبير "
والإثم كله محرم بقوله تعالى : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم .
هامش
( 1 ) الدر المنثور 2 ص 315 ، 317 ، 318 .
( 2 ) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 8 ص 358 ، وحكاه عنه السيوطي في الدر المنثور
1 ص 252 .
( 3 ) لسان العرب 14 ص 272 ، تاج العروس 8 ص 179 .