أن يكون محفوظا عنه صلى الله عليه وسلم بدلالة الكتاب ثم السنة . فإن قيل : فأين دلالة الكتاب
قيل : في قوله عز وجل : ولا تزر وازرة وزر أخرى . وأن ليس للانسان إلا ما سعى .
وقوله : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . وقوله : لتجزى
كل نفس بما تسعى .
وعمرة أحفظ عن عائشة من ابن أبي مليكة ، وحديثها أشبه الحديثين أن يكون
محفوظا ، فإن كان الحديث على غير ما روى ابن أبي مليكة من قول النبي : إنهم ليبكون
عليها وأنها لتعذب في قبرها . فهو واضح لا يحتاج إلى تفسير لأنها تعذب بالكفر وهؤلاء
يبكون ولا يدرون ما هي فيه ، وإن كان الحديث كما رواه ابن أبي مليكة فهو صحيح لأن
على الكافر عذابا أعلى فإن عذب بدونه فزيد في عذابه فبما استوجب ، وما ينل من كافر
من عذاب أدنى من أعلى منه وما زيد عليه من العذاب فباستيجابه لا بذنب غيره في
بكائه عليه .
فإن قيل : يزيده عذابا ببكاء أهله عليه ؟ قيل : يزيده بما استوجب بعمله ويكون
بكاؤهم سببا لا أنه يعذب ببكائهم .
فإن قيل : أين دلالة السنة ؟ قيل : قال رسول الله لرجل : ابنك هذا ؟ قال نعم
قال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه . فأعلم رسول الله مثل ما أعلم الله من أن جناية
كل امرئ عليه كما عمله له لا لغيره ولا عليه .
م - ويكذب الخليفة بكائه على النعمان بن مقرن لما جاءه نعيمه فخرج ونعاه إلى
الناس على المنبر ووضع يده على رأسه يبكي ( 1 ) ويكذبه وقوفه على قبر شيخ واعتناقه إياه
وبكائه عليه ( 2 ) وكم وكم له من مواقف لدة ما ذكر ) .
وقبل هذه كلها بكاء النبي الأقدس والصحابة والتابعين لهم بإحسان على موتاهم
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي على ولده العزيز - إبراهيم - ويقول : العين تدمع ، والقلب
يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ( 3 ) .
وهذا هو صلى الله عليه وآله وسلم يبكي على ابنه طاهر ويقول : إن العين تذرف ، وإن الدمع
هامش
( 1 ) الاستيعاب في ترجمة النعمان 1 ص 297 .
( 2 ) راجع مآمر في الجزء الخامس ص 155 .
( 3 ) سنن أبي داود 3 ص 58 ، سنن ابن ماجة 1 ص 482 .