فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال عمر لابن مسعود : ما يقول هؤلاء ؟ قال : قد فعلت
ذلك . قال : أو رأيت ذلك ؟ قال : نعم . فقال : نعم ما رأيت . فقالوا : أتيناه نستأذنه فإذا
هو يسأله ( 1 ) .
نعم : للقارئ أن يفرق بين ما نحن فيه وبين تلكم المواقف التي حكم فيها بالتعزير
بأن الحكم هناك قد دار مدار اللحاف ولم يكن لحاف على المغيرة وأم جميل في فحشائهما :
والقول بمثل هذه الخزاية أهون من تلكم الكلم التي توجد في الدفاع عن الخليفة حول
هذه القضية ولدتها .
هذا مغيرة وهذا إلى أمثالها بوائقه ، وكان يعرف بها في إسلامه وقبله ، وقد أتى
أمير المؤمنين عليه السلام عندما تولى الخلافة يظهر بزعمه النصح له بإقرار معاوية في ولايته
على الشام ردحا ثم يفعل به ما أراد ، وبما أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن ممن يداهن ويجامل
أعداء الله في أمر الدين ولا يؤثر الدهاء على حكم الشريعة ، وكان يرى أن مفاسد إبقاء
معاوية على الأمر لا تكافئ مصلحة إغفاله عن المقاومة ، فإنه غير صالح لتولي أمر المسلمين
فيومه لدة سنته ، وساعته كمثل عمره في الفساد ، رفض ذلك الرأي المغيري ، ولم يكن
بالذي يتخذ المضلين عضدا فبهض ذلك المغيرة فولى عنه منشدا :
نصحت عليا في ابن هند نصيحة * فردت فلم اسمع لها الدهر ثانيه
وقلت له : أوجز عليه بعهده * وبالأمر حتى يستقر معاوية
وتعلم أهل الشام أن قد ملكته * وأن أذنه صارت لأمرك واعيه
فتحكم فيه ما تريد فإنه * لداهية فارفق به أي داهيه
فلم يقبل النصح الذي قد نصحته * وكانت له تلك النصيحة كافيه ( 2 )
وأجاب عنها العلامة الأوردبادي بقوله :
أتيت إمام المسلمين بغدرة * فلم تلف نفسا منه للغدر صاغيه
وأسمعته إدا من القول لم يصخ * له إذ رأى منه الخيانة باديه
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد 6 ص 270 وقال : رجاله رجال الصحيح .
( 2 ) مروج الذهب 2 : 16 ، تاريخ الطبري 5 : 160 ، تاريخ ابن كثير 8 : 128 ،
الاستيعاب 1 : 251 ، تاريخ أبي الفدا ج 1 : 172 .