وأما التقديس والمعجزات فليسا من الغلو في شئ فإن القداسة بطهارة المولد ،
ونزاهة النفس عن المعاصي والذنوب ، وطهارة العنصر عن الديانا والمخازي لازمة
منصة الأئمة ، وشرط الخلافة فيهم كما يشترط ذلك في النبي صلى الله عليه وآله .
وأما المعجزات فإنها من مثبتات الدعوى ، ومتمات الحجة ، ويجب ذلك
في كل مدع للصلة بينه وبين ما فوق الطبيعة ، نبيا كان أو إماما ، ومعجز الإمام
في الحقيقة معجز للنبي الذي يخلفه على دينه وكرامة له ، ويجب على المولى سبحانه
في باب اللطف أن يحقق دعوى المحق بإجراء الخوارق على يديه ، تثبيتا للقلوب ،
وإقامة للحجة ، حتى يقربهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية ، لدة ما في مدعي النبوة
من ذلك ، كما يجب أيضا أن ينقض دعوى المبطل إذا تحدى بتعجيزه كما يؤثر عن
مسيلمة وأشباهه .
وإن من المفروغ عنه في علم الكلام كرامات الأولياء ، وقد برهنت عليها الفلاسفة
بما لا معدل عنه ويضيق عنه المقام ، فإذا صح ذلك لكل ولي ، فلماذا يعد غلوا في
حجج الله على خلقه ؟ وكتب أهل السنة وتآليفهم مفعمة بكرامات الأولياء ، كما أنها
معترفة بكرامات مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه .
وأما الاستغاثة والنداء والانقطاع وما أشار إليها فلا تعدو أن تكون توسلا بهم
إلى المولى سبحانه ، واتخاذهم وسائل إلى نجح طلباتهم عنده جلت عظمته ، لقربهم منه ،
وزلفتهم إليه ، ومكانتهم عنده ، لأنهم عباد مكرمون ، لا لأن لذواتهم القدسية دخلا
في إنجاح المقاصد أولا وبالذات ، لكنهم مجاري الفيض ، وحلقات الوصل ، ووسايط
بين المولى وعبيده [ كما هو الشأن في كل متقرب من عظيم يتوسل به إليه ] وهذا
حكم عام للأولياء والصالحين جميعا ، وإن كانوا متفاوتين في مراحل القرب ، كل هذا
مع العقيدة الثابتة بأنه لا مأثر في الوجود إلا الله سبحانه ، ولا تقع في المشاهد المقدسة
كلها من وفود الزائرين إلا ما ذكرناه من التوسل ( 1 ) ، فأين هذه من مضادة التوحيد ! ؟
وأين هؤلاء من الخصومة معه ومع أهله ؟ ! فذرهم وما يفترون إنما يفتري الكذب الذين
لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون .
هامش
( 1 ) فصلنا القول في ذلك في الجزء الخامس من كتابنا هذا .