أرباب سوء لكم من بعدي ، كأني أنظر إليهم قد شاركوكم في بلادكم وحملوا إلى بلادهم
فيئكم ، وكأني أنظر إليكم يكش بعضكم على بعض كشيش الضباب لا تمنعون حقا
ولا تمنعون لله حرمة ( 1 ) وكأني أنظر إليهم يقتلون قراءكم ، وكأني بهم يحرمونكم
ويحجبونكم ، ويدنون أهل الشام دونكم ، فإذا رأيتم الحرمان والأثرة ووقع
السيف تندمتم وتحزنتم على تفريطكم في جهادكم وتذكرتم ما فيه من الحفظ ( 2 ) حين
لا ينفعكم التذكار ( 3 ) .
هامش
1 - أورد الشريف الرضي ( ره ) في نهج البلاغة في باب المختار من -
الخطب تحت عنوان ( من كلام له ( ع ) ) هاتين الفقرتين هكذا ( أنظر شرح النهج لابن -
أبي الحديد ج 2 ، ص 256 ) : ( وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب لا تأخذون حقا
ولا تمنعون ضيما ) وقال ابن الأثير في النهاية : ( فيه : كانت حية تخرج من الكعبة
لا يدنو منها أحد إلا كشت وفتحت فاها ، كشيش الأفعى صوت جلدها إذا تحركت ، وقد كشت
تكش وليس صوت فمها فإن ذلك فحيحها ، ومنه حديث علي : كأني أنظر إليكم تكشون كشيش
الضباب ، وحكى الجوهري : إذا بلغ الذكر من الإبل الهدير فأوله الكشيش وقد كش يكش ) .
2 - كذا في الأصل لكن في إرشاد المفيد مكانه : ( من الخفض والعافية ) وهو
الأنسب .
3 - نقل المجلسي ( ره ) هذه القصة بتمامها في ثامن البحار في باب سائر
ما جرى من الفتن ( ص 681 - 682 ) ونقل ابن الأثير في كامل التواريخ تحت -
عنوان ( ذكر سرايا أهل الشام إلى بلاد أمير المؤمنين عليه السلام ) في وقائع
سنة تسع وثلاثين هذه القصة هكذا ( ج 3 ، ص 151 من الطبعة الأولى ) :
( وفي هذه السنة دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي وهو من أصحابه فقال له : إني
أريد أن أوجهك إلى مكة لتقيم للناس الحج وتأخذ لي البيعة بمكة وتنفي عنها عامل علي ،
فأجابه إلى ذلك وسار إلى مكة في ثلاثة آلاف فارس ، وبها قثم بن العباس عامل علي فلما
سمع به قثم خطب أهل مكة وأعلمهم بمسير الشاميين ودعاهم إلى حربهم فلم يجيبوه بشئ
وأجابه شبية بن عثمان العبدري بالسمع والطاعة ، فعزم قثم على مفارقة مكة واللحاق ببعض
شعابها ومكاتبة أمير المؤمنين بالخبر ، فإن أمده بالجيوش قاتل الشاميين ، فنهاه أبو سعيد الخدري ،
عن مفارقة مكة وقال له : أقم ، فإن رأيت منهم القتال وبك قوة فاعمل برأيك ، وإلا فالمسير
عنها أمامك ، فأقام ، وقدم الشاميون فلم يعرضوا لقتال أحد ، وأرسل قثم إلى أمير المؤمنين
يخبره ، فسير جيشا فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن علي الحنفي وأبو الطفيل أول ذي الحجة
وكان قدوم ابن شجرة قبل التروية بيومين فنادى في الناس : أنتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا ،
واستدعى أبا سعيد الخدري وقال له : إني لا أريد الالحاد في الحرم ولو شئت لفعلت لما فيه
أميركم من الضعف فقل له : يعتزل الصلاة بالناس وأعتزلها أنا ويختار الناس رجلا يصلي
بهم ، فقال أبو سعيد لقثم ذلك فاعتزل الصلاة واختار الناس شيبة بن عثمان فصلى بهم وحج بهم ،
فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام وأقبل خيل علي ( ع ) فأخبروا بعود أهل الشام
فتبعوهم وعليهم معقل بن قيس فأدركوهم وقد رحلوا عن وادى القرى فظفروا بنفر منهم
فأخذوهم أسارى وأخذوا ما معهم ورجعوا بهم إلى أمير المؤمنين ، ففادى بهم أسارى كانت له
عند معاوية ) .
وأما الطبري فنقلها في حوادث السنة المشار إليها ملخصة وذكر اختلاف
الروايات فيها فمن أرادها فليراجع ( ج 6 ، ص 79 من الطبعة الأولى بمصر ) .