تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتاوى السبكي — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
ولا شريعة باقية الآن غير شريعته ولذلك إذا نزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم إنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فلو لم يكن الجن مكلفين بها لكانوا إما مكلفين بشريعة غيرها وهو خلاف ما تقرر وإما أن لا يكونوا مكلفين أصلا ولم يقل أحد بذلك ولا يمكن القول به لأن القرآن كله طافح بتكليفهم قال تعالى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال تعالى في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار إلى غير ذلك من الآيات ودخولهم النار دليل تكليفهم وهذا أوضح من أن يقام عليه دليل فإن تكليفهم معلوم من الشرع بالضرورة وتكليفهم بغير هذه الشريعة يستلزم بقاء شريعة معها فثبت أنهم مكلفون بهذه الشريعة كالإنس ( فصل ) قال السائل فإن قوله تعالى يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وما أرسلناك إلا كافة للناس إلى غير ذلك ظاهر في اختصاص رسالته صلى الله عليه وسلم بالإنس وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر أقول دعوى أن الأدلة المذكورة ظاهرة في اختصاص رسالته إلى الإنس ممنوعة وعجب من السائل الفاضل دعواه ذلك فإن هذا إنما يمكن تمشيته على مذهب الدقاق القائل بأن مفهوم اللقب حجة والناس من قبيل اللقب فإن المسألة المترجمة في الأصول بمفهوم اللقب لا تختص باللقب بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة والناس اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له فقوله يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ليس فيه أصلا ما يفهم منه أنه ليس رسولا إلى غيرهم إلا على مذهب الدقاق بل أقول على مذهب الدقاق لا يتم التمسك بهذا المفهوم أيضا لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض آخر سواه في تخصيص ذلك الاسم بالذكر وحيث ظهر غرض لا يقال بالمفهوم بل يحمل التخصيص على ذلك الغرض والغرض في الآية التعميم في جميع الناس وعدم اختصاص الرسالة ببعضهم فلا يلزم منه نفي الرسالة عن غيرهم لا على مذهب الدقاق ولا على غيره وإنما خاطب الناس لأنهم الذين تغلب رؤيتهم والخطاب معهم ومجادلتهم فمقصود الآية خطاب الناس والتعميم فيهم لا النفي عن