تأذن لي أن أضرب عنقه قال فأذهبت كلمتي غيظه فقام فدخل فأرسل إلي فقال ما الذي قلت آنفا قلت أتأذن لي أن أضرب عنقه قال أكنت فاعلا لو أمرتك قلت نعم قال لا والله ما كانت لبشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم
فهذا الحديث يدل على أن إغضاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب القتل دون غيره من الناس وكذلك أذاه يوجب القتل دون غيره من الناس بشرط أن يكون أذاه مقصودا وسواء أكان الأذى خفيفا أم غير خفيف فلا شيء من قصد أذى النبي صلى الله عليه وسلم محتمل بل كله كفر موجب للقتل للحديث الذي قال من يكفيني عدوي فابتدر له خالد وهو حديث صحيح والأشهر أنه كفر للآية الكريمة وقوله صلى الله عليه وسلم من سب نبيا فاقتلوه إن ثبت فهو عمدة في أن قتله حد لا يسقط بالتوبة كما يقوله المالكية لكن هذا الحديث لا نعلمه إلا بإسناد لم يظهر لنا من حاله شيء فلا يصح الاحتجاج بعمومه وجعل مناط القتل من غير توبة ولا استتابة وإن تاب حدا هذا إنما صح لو صح الحديث وذلك الوقت يحتمل أن يقال إنه مشروط بعدم التوبة وأما إذا لم يصح فالقول بعدم التوبة والأخذ بعمومه صعب
وثم مسائل وألفاظ لا يطلق عليها أنها سب وقد توسعت المالكية فيها وأوجبوا القتل بها ولم يقبلوا فيها التوبة ونحن لا نشتهي أن نخوض في الكلام فيها فإن الجانبين خطران
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ولعن المؤمن كقتله قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد سؤال لا يمكن أن يراد في أحكام الدنيا لأن اللعن لا يوجب القصاص ولا في الآخرة لأن الإثم يتفاوت
قال الماوردي يشبهه في الإثم لأن اللعن قطع الرحمة والموت قطع التصرف وقيل لعنته تقتضي قصد إخراجه من المسلمين أو قطع منافعه الأخروية عنه وقيل استواؤهما في التحريم واقتضى كلام ابن دقيق العيد أن اللعنة تعريض بالدعاء الذي قد يقع في ساعة إجابة إلى العبد من رحمة الله تعالى وهو أعظم من القتل الذي هو تفويت الحياة
وقد رأيت أن ألخص الكلام في هذه المسألة فأقول وبالله التوفيق هذه المسألة في رجل لعن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم على رؤوس الأشهاد قال إنه
فتاوى السبكي — صفحة 584
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٥٨٤