ومجموع ما ذكر من هؤلاء الهيئة ينتقض به أمانهم ويصيرون كمن لا أمان لهم
والذي قاله الفقهاء في أهل الذمة إذا انتقض عهدهم إن الإمام يتخير فيهم بين القتل والمن والاسترقاق والمفاداة ولا يبلغه المأمن عن الصحيح وقالوا في المستأمن يبلغه المأمن
ويحتمل أن يكون قولهم محمولا على ما فصل في أهل الذمة والمختار عندي أنهم في هذا الحكم مثلهم فيتخير الإمام فيهم أيضا كما يتخير في أهل الذمة إذا انتقض عهدهم بين الأربعة المذكورة القتل والاسترقاق والمن والفداء وليس تخيره لذلك على سبيل التشهي بل على سبيل ما يظهر من مصلحة المسلمين
والأمر في ذلك للسلطان نفسه لا لنائبه فإن القتل في ذلك عظيم فليس للنائب أن يستقل به حتى يشاور مولانا السلطان وكذلك بقية الأربعة ولكن التقدير لا بد منه على كل حال ويستقل به نائب السلطان من غير مشاورة وهو متعين والتقدير في مثلهم بحسب رأي نائب السلطنة وأن ذلك يختلف باختلاف ما يظهر له من أحوالهم
وأما بعد الفعل فإنه اجترأ على المسلمين والسكوت عليه وصمة فيهم ويثاب ولي الأمر على إنكاره ولا يقول أحد أنهم يقرون على ذلك بلا تقدير
والذي أمرهم بذلك وأذن لهم فيه إن كان واليا يعزل ويؤدب بضرب لا يبلغ أدنى الحدود وإن كان قاضيا يعزل والحمالون يؤدبون تأديبا لطيفا وكذا من كان معهم من المسلمين ولم ينكروا عليهم والله سبحانه أعلم
كتبه علي السبكي الشافعي والرأي عندي في القضية المذكورة أن مع التعزير أو دونه نمسك هؤلاء الفرنج هنا عندنا حتى يطلقوا لنا أسرى المسلمين الذين في بلادهم
فإذا كان هؤلاء ممن لهم وجاهة في بلادهم والتوصل إليه بجاه أو مال فيتعين على نائب السلطنة أن يمسكهم حتى يتحيلوا في ذلك ويأتوا بأسرى المسلمين ويكون ذلك من جملة الخصال الأربعة التي قدمناها وهي المفاداة ويستقل نائب السلطنة بذلك أعني بحبس هؤلاء حتى يتحيلوا فيه من غير مشاورة إذا لم يكن فيه مفسدة فهذه الخصلة في هذا الوقت خير من قتلهم ومن المن عليهم ومن الاسترقاق والله أعلم
هذا الذي كتبه في الفتيا من غير زيادة وأزيد على ذلك لإفادة فقيه من غير كتابة فأقول وليعلم أن مجرد
فتاوى السبكي — صفحة 419
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٤١٩