فلا يمنع إقدام بعض المسلمين على هدمها وبهذا يصح إن حمل ما تقدم من قول الرافعي أو هدمها المسلمون بعد ذلك على عمومه وتارة يكون التزاما لهم بشرط يأخذونه على المسلمين في عقد ذمة أو نحوه وإن كان بعد الفتح وما حكيناه من كلام الشافعي يقتضي وجوب الإبقاء لكنه محتمل لأن يكون محله إذا كان الشرط في أول الفتح فيكون في معنى الفتح صلحا في ذلك المكان وتكون العنوة فيما سواه فلا تكون هي المسألة التي تكلم فيها الرافعي ويصح حمل الموجود في بلاد المسلمين عليها في مسألتين إحداهما إذا جهل الحال فتجب التبقية على ظاهر كلام الشافعي
والثانية إذا لم يجهل وفتح عنوة وأردنا تقريرهم بعد ذلك فلا يجب وهل يجوز وجهان كما قاله أبو حامد والرافعي وهل التقرير ترك مجرد فيجوز هدمها بعد ذلك أو شرط يجب الوفاء به فيه ما قدمته من البحث والظاهر أنه ليس بشرط إلا إن وقع في عقد كما إذا عقد لهم ذمة أو هدنة
قال الرافعي رحمه الله وأصحهما المنع لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء فيمنع جعلها كنيسة وحكى الإمام القطع بهذا الوجه عن طائفة من الأصحاب
قلت قد عرفتك أني كنت أقطع بهذا وأعتقد غلط الأول لما ذكره الرافعي هنا من التعليل بالملك بالاستيلاء حتى ظهر لي ما قدمناه من أنها لا تدخل في الغنيمة
وكنت قبل ذلك أقول قد يكون مأخذ الخلاف أن الغنيمة هل تملك بالاستيلاء أو يتوقف الملك فيها على الاختيار كما هو مقرر في بابه وافرض المسألة قبل الاختيار حتى استغنيت عن ذلك بما قدمته ومع ذلك فالأصح عندي ما صححه الرافعي وغايتها أن تكون كالموات ونحن لا نمكن من جعله كنيسة في الإسلام
ومما ذكرناه أولا وآخرا يظهر أن طريقة الخلاف هي الصحيحة وإن كان الأصح المنع وإن طريقة القطع ضعيفة ولذلك أكثر الأصحاب على خلافها
قال الرافعي والثاني ما فتح صلحا وهو على نوعين ما فتح على أن تكون رقاب الأراضي للمسلمين وهم يسكنونها بخراج فإن شرطوا إبقاء الكنائس والبيع جاز وكأنهم صالحوا على أن تكون البيع والكنائس لهم وما سواها لنا
قلت وهذا صحيح لأن الحال قد تدعوا إليه ولا يتأتى الفتح
فتاوى السبكي — صفحة 412
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٤١٢