وعندي في هذا التمسك نظر لما عرفتك به ولو فتح هذا الباب لأدى إلى أن كل من في يده يدعي انتقاله إليه ونحن نعلم أن الأصل عدم السبب الذي يدعيه ولا يقبل منه إلا ببينة وهو بعيد نعم إن كان له منازع ثبت ملكه فذلك الملك أمر وجودي مستصحب وإلا فلا هذا الذي يظهر لي في ذلك وحاصله أن الحكم بإبقاء كنائس العراق قريب وكنائس القاهرة ونحوه لا يظهر الحكم به وإلا لحكم بهدمه بل الذي يظهر التوقف عن الحكم لعدم الدليل وكم من مسألة هكذا لا يقضى فيها بشيء لعدم الدليل لا لدليل العدم ويلزم من ذلك مقصود من يطلب بقاء الأمر على ما هو عليه لكن يظهر أثر ما قلناه في فروع أخرى وربما نذكرها إن شاء الله
وقد استقريت الاستصحاب الذي نحكم به فوجدت صورا كثيرة إنما يستصحب فيها أمر وجودي كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث وعكسه وغالب الصور التي حضرتني الآن وأما استصحاب عدم تحكم به فلم يحضرني الآن ولا أجزم بنفيه فلينظر وبراءة الذمة ونحوها من الأمور العدمية لا نحكم بها وإنما نمتنع من الحكم بخلافها حتى يقوم عليه دليل
فمن هنا توقفت عن موافقة ابن الرفعة رحمه الله والله أعلم
ومما ذكره ابن الرفعة أيضا اختلاف نصوص الشافعي والأصحاب في حد المدعي هل هو من يحكى سكوته أو من يدعي أمرا خفيا أو من يدعي خلاف الأصل ومقصوده بذلك أن الأصل عدم الكنائس في القاهرة قبل بنائها على ما قال وهو الظاهر على ما قال أيضا لأنها كانت برية وظاهر حال تلك أنه لا يرتاد لنفسه بناء مدينة حول كنائس وكان القول بقدمها مخالفا للأصل والظاهر وكان القائل به مدعيا يحتاج إلى بينة لا مدعى عليه وأورد على نفسه أن ذلك إذا لم تكن يد وأجاب بالمنع وعندي استصحاب وجودي وإلا فنحكم بها أو نتوقف غير أني أقول إن اليد هاهنا على الكنائس لا أسلم أنها للنصارى بل للمسلمين فما ظهر لهم أنها تبقى بقيت وما شك فيها فهي في أيدينا باقية على الشك لا نقدم على الحكم فيها بأمر من الأمور لا بهدم ولا بإبقاء إلا بمستند خوفا من الله تعالى لا من أحد
فتاوى السبكي — صفحة 407
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٤٠٧