وهو يقتضي أن يكون الشهادة في المدينة كما وقع والأول لا يقتضي في المدينة إلا الوفاة وقد تتقدم الشهادة في غيرها وعلى كلا التقديرين يحتمل أن يكون المسؤول الشهادة في الجهاد وأن الله تعالى جعل طعن أبي لؤلؤة قائما مقامها ويحتمل أن يكون سأل مطلق الشهادة فحصل ما سأله بحقيقته ولا شك أنه شهيد حقيقة فقد قال صلى الله عليه وسلم فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد والمراد بالشهيد عمر رضي الله عنه وفي رواية شهيدان والمراد عمر وعثمان فشهادته رضي الله عنه حقيقية بطعن أبي لؤلؤة له وهي من أعظم الشهادات تالية لشهادة الحرب لأنها في معناها فإن أبا لؤلؤة كافر مجوسي إنما قتل عمرا لقيام عمر في دين الله أعظم من قيام المجاهدين فكان في معنى الصورة الأولى سواء ويحصل له مع ذلك أجر سؤاله الشهادة ومع ذلك غسل وصلي عليه ولم يثبت له شيء من أحكام الشهداء في الدنيا وإنما هو شهيد في الآخرة
وبقي هنا بحثان أحدهما استشكل الشيخ عز الدين بن عبد السلام سؤال الشهادة وهي قتل الكافر للمسلم وقتل الكافر للمسلم معصية والجواب من وجهين أحدهما أن الشهادة قد تحصل في الحرب بسبب من أسباب القتال غير تعمد الكافر أو قتله
والثاني أن الشهادة لها جهتان إحداهما حصول تلك الحالة الشريفة في رضا الله تعالى وهي المسؤولة والثانية قتل الكافر وهو من حيث هو مقتول منه في حين جاء على القلب من فضل الشهادة
البحث الثاني التمني بمثل ذلك جائز بل في الصورة الأولى قدمنا تمني الشهيد في الآخرة أن يرجع إلى الدنيا وهو دليل لجواز ذلك وإن كان مستحيلا وإنما يمتنع التمني في مثل قوله ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض وفي الأحكام وعليه يحمل قول الشافعي رضي الله عنه ولولا أن التمني حرام لتمنينا هذا هكذا يعني في أن العرب يسترقون فلا يجوز للإنسان أن يتمنى أن الخمر لم يحرم ونحو ذلك
الصورة الثالثة الطاعون نسأل الله العافية والسلامة
روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم الطاعون شهادة لكل مسلم
فتاوى السبكي — صفحة 353
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٣٥٣