الواقعة بل في الواقعة الفلانية وقد يكون بينها وبين هذه الواقعة فرق ولهذا نجد كثيرا من الفقهاء لا يعرفون أن يفتوا وأن خاصية المفتي تنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي وذلك يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه وأدلته ولهذا نجد في فتاوى بعض المتقدمين ما ينبغي التوقف في التمسك به في الفقه ليس لقصور ذلك المفتي معاذ الله بل لأنه قد يكون في الواقعة التي سئل عنها ما يقتضي ذلك الجواب الخاص فلا يطرد في جميع صورها وهذا قد يأتي في بعض المسائل ووجدناه بالامتحان والتجربة في بعضها ليس بالكثير والكثير أنه مما يتمسك به فليتنبه لذلك فإنه قد تدعو الحاجة إليه في بعض المواضع فلا نلحق تلك الفتوى بالمذهب إلا بعد هذا التبصر
المرتبة الثالثة مرتبة القاضي وهي أخص من رتبة المفتي لأنه ينظر فيما ينظر فيه المفتي من الأمور الجزئية وزيادة ثبوت أسبابها ونفي معارضتها وما أشبه ذلك وتظهر للقاضي أمور لا تظهر للمفتي فنظر القاضي أوسع من نظر المفتي ونظر المفتي أوسع من نظر الفقيه وإن كان نظر الفقيه أشرف وأعم نفعا
إذا علمت هذا فالفقه عموم شريف نافع نفعا كليا وهو قوام الدين والدنيا والفتوى خصوص فيها ذلك وتنزيل الكلي على الجزئي من غير إلزام والحكم خصوص الخصوص فيها ذلك وزيادات إحداها الحجج والأخرى الإلزام ومن أي المراتب الثلاث كنت أقصد وجه الله وحده ومن خالفك فانظر في كلامه وتطلب له وجها فإن وجدته أصوب فارجع إليه وإن وجدته على خلاف ذلك فاستغفر له واعلم قدر نعمة الله عليك إذ هداك لما لم يهده له فاشكر ربك ولا تنقص أخاك
ولم أقف إلى الآن على الفتاوى المذكورة ثم طلبتها وأقدم مقدمة قبل أن أقف عليها أن هذا الوقف ليس كله فضة بل أكثره مغل ولم يذكر الواقف عليه أن للناظر تنصيصه بل جعله يخرج منه للمدرس غرارة قمح وغرارة شعير والباقي للفقهاء والمتفقهة والمؤذن والقيم ومقتضى ذلك أنه إذا حصل منه مغل يملكونه وليس له بيعه إلا بإذنهم لفظا أو عرفا فالتقدير فإن لكل فقيه ستين أو أربعين أو عشرين مع العلم بأن الأسعار لا تستقر على سعر واحد تفضي إلى أمور منها أنه قد يفضل من الوقف شيء والواقف قد جعل جميعه لهم فتأخيره عنهم ظلم ومنها أنه لم يف الوقف بتلك المعالم للسنة بكمالها فطلبهم لها ظلم
وكل ذلك إنما أوجبه التقدير بدراهم معلومة فالصواب أن يقال كلما فضل من المغل عن معلوم المدرس يقسم بينهم على ما يراه الناظر ففي الزمان الأول قبل الزيادة على عشرين ومؤذن وقيم وبعد الزيادة بحسب ما دل عليه تعديل ثلاث سنين آخرها سنة أربع
فتاوى السبكي — صفحة 123
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص١٢٣