الناس المجاورين للمسجد العالمين وقول من قال إن القيم بدعة باطل أما الكنس فمعهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فمات فدفن ليلا الحديث ويعلم بالضرورة العادة أنه لولا الكنس لحصل من الأوساخ والقمامات والغبار ما يهجر المسجد ويفضي به إلى تعطيله ممن يأوي فيه وتعطل العبادات التي بني لها هذا لا شك فيه في كل زمان
وقد عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أعمال أمته حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد فلا شك ولا ريب في أن كنس المسجد من القرب المطلوبة للشرع المثاب عليها وأنه سنة ثابتة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما تهيئة القناديل للاستصباح فهذا هو الذي استروح القائل إلى أنه بدعة والحق أنه ليس ببدعة فإن عمر رضي الله عنه نور المساجد والصحابة متوافرون وشكره علي رضي الله عنه على ذلك وكل ما فعله عمر رضي الله عنه سنة ليس ببدعة ولا يجوز إطلاق البدعة عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
اقتضى هذا أن سنة الخلفاء الراشدين ليست ببدعة وعمر رضي الله عنه ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ولم نعلم أحدا من العلماء المتقدمين ولا المتأخرين أطلق على شيء مما فعل الخلفاء الراشدون بدعة مطلقا وقد وقع في كلام الشيخ العلامة شيخ الإسلام في زمانه أبي محمد بن عبد السلام على التراويح أنها بدعة مستحبة وكذا وقع في كلام الفاضل الكبير أبي بكر الطرطوشي المالكي في كلامه على البدع والحوادث وغيره عدا التراويح فيها واغتر بهذا كثير من الناس وهؤلاء العلماء المتأخرون رضي الله عنهم لم يطلقوا لفظ البدعة إطلاقا
وإنما قيدوه بالمستحبة وأدرجوه في جملة الجواب وكان ذلك عذرا مبينا ما قصدوه من كونها حادثة بتلك الصفة الخاصة وما أحسن وأصوب كلام الشافعي رضي الله عنه حيث قال المحدثات ضربان أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة ضلالة
والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان نعمت البدعة هذه تعين أنها محدثة لم تكن وإذا كانت ليس فيها رد لما مضى
هذا كلام الشافعي رضي الله عنه فانظر كيف تحرز في كلامه عن لفظ البدعة ولم يرد على لفظ المحدثة وتأول قول عمر رضي الله عنه
فتاوى السبكي — صفحة 107
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص١٠٧