والموجب لتوقّف العبد الكامل العارف عن التصدّي للتصرّف والتسخير بإرسال الهمّة وتسليطها هو أنّ الكامل مستفرغ بكليّته لله وشهوده من حيث إطلاقه الحقيقي الذاتي ، فلا التفات له إلى تسليط الهمّة الكلَّية إلى الكوائن الجزئية بالتوجّه الكلَّي وجمع الخاطر ، فلا يجتمع الإنسان في نفسه لهمّته إلَّا للتوجّه الأحدي الجمعي الكمالي إلى الله الواحد الأحد ، وأن تتقيّد « 1 » الهمّة المطلقة عن كل قيد ، المتعلَّقة أبدا بالذات المطلقة بمثل ذلك ، كما أشار إليه - رضي الله عنه - بقوله : « فأمثاله » « 2 » فافهم .
ولكن للحق ظهور بجميع التصرّفات الإلهية والتأثيرات الربّانية ، من عين العبد الكامل من غير تقييد منه بذلك ولا إرسال همّة ولا تسليط نفس ، وهو مشهود موجود ، ولله الحمد ، فتحقّق يا أخي بكلّ هذه الحقائق ، فإنّها غاية في المعرفة بالله * ( وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَ [ هُوَ ] يَهْدِي السَّبِيلَ ) * « 3 » .
قال - رضي الله عنه - : « قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن قائد للشيخ أبي السعود بن الشبل « 4 » : لم لا تتصرّف ؟ فقال أبو السعود : تركت الحق يتصرّف لي كما يشاء ، يريد قوله - تعالى - آمرا : * ( فَاتَّخِذْه ُ وَكِيلًا ) * « 5 » ، فالوكيل هو المتصرّف ولا سيّما وقد سمع الله يقول : * ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ِ ) * « 6 » فعلم أبو السعود والعارفون أنّ الأمر الذي بيده ليس له ، وأنّه مستخلف فيه ، ثمّ قال له الحقّ : هذا الأمر استخلفتك فيه وملَّكتك إيّاه اتّخذني فيه وكيلا ، فامتثل أبو السعود أمر الله واتّخذه وكيلا ، فكيف تبقى لمن يشهد مثل هذا الأمر همّة يتصرّف بها والهمّة لا تتعقّل « 7 » إلَّا بالجمعية التي
هامش
« 1 » م : مقيّد .
« 2 » م : وأمثاله .
« 3 » الأحزاب ( 33 ) الآية 4 .
« 4 » في بعض النسخ : الشبلي .
« 5 » المزمل ( 73 ) الآية 9 .
« 6 » الحديد ( 57 ) الآية 7 .
« 7 » في بعض النسخ : لا تفعل .