المقام الذي يدفع بصاحبه إلى طلب مقام أعلى وهو معنى قوله :
فمن كونه عبداً يرى عين نفسه * وتتسع الآمال منه بلا شك
وهي الآمال في الوصول إلى مقام الوحدة .
أما إذا حصل في المقام الثاني فإنه يحِسُّ بربوبيته ويشعر أن الكون كله طوع أمره . هذا هو المقام الذي صاح فيه الحلاج بقوله أنا الحق ! ينمحي في هذا المقام الفرق بين العبد والرب ويشعر صاحبه أن كل ما في الوجود يطالبه بحاجاته . فإذا غفل لحظة واحدة عن هذا المقام « ورأى عينه » كما يقول - أي لاحظ جانب عبوديته ، أدرك عجزه المطلق عن أن يجيب مطالب الوجود وأدرك افتقاره المطلق إلى الله . وهذا معنى قوله :
ويعجز عما طالبوه بذاته * لذا ترَ بعض العارفين به يبكي
ولما كان المقام الثاني هو مقام الفناء التام ومحو جميع آثار العبودية ، وهذا مستحيل في هذا العالم ، لأن العارف مهما بلغ من درجات الفناء لا يتحرر تماماً من نفسه ، نصح ابن عربي الصوفية ألا يدعوا مقام الربوبية وأن يبقوا على عبوديتهم في قوله :
فكن عبد رب لا تكن رب عبده * فتذهب بالتعليق في النار والسبك
أي فتفنى بواسطة تعلقك بالربوبية في نارها المحرقة التي لا تبقي على شيء من عبوديتك .
ولأصحاب وحدة الوجود عبارات كثيرة في هذا المعنى منها أن الحق غيور وأن الرب غيور - أي لا يحب أن يرى غيره ، فإذا ظهر بطلت الغيرية . ومنها كلامهم في سبحات وجه الله التي تحرق كل من نظر إليها وهكذا .
فصوص الحكم — صفحة 84
مساهمون: ابن عربي
ص٨٤