وأمّا قبل البحث الفقهي في هذا الموضوع ، فنطرح إشكالاً فنّياً على تلك الحيلة ، الذي يُهدم الفكرة من أساسها ، وهو أنّ التعامل في الأسواق التجاريّة ليس التعامل على صعيد الأوراق النقديّة والسيولة والعملات ، بل الموجود فيها التعامل على اعتبار الصك ، أعني التعامل على الذمم ، لا سيّما في أصحاب التجارة المتوسّطين أو الكبار .
فقد ورد في علم النقد الحديث أنّ النقد للبيوع اليسيرة ، وأمّا في الكبيرة فالوسيط - وهو الصك - وثيقة على الذمّة ، فالسوق الماليّة قائمة بالذمم لا بالسيولة .
فالبنك يتملّك في ذمّته ( 1 ) الماليّة الاعتباريّة من أموال المودع لا السيولة النقديّة منها ، ثمّ يقوم هو بهذا الاعتبار بالتعامل مع أصحاب العمل التجاري والزراعي والصناعي ، في معاملاتهم مع الآخرين يحيلون تسديد ديونهم على ذمّة البنك بتوسّط الصكوك ، وهذا المعنى يرجع إلى القرض ; لأنّ البنك يتملّك في الذمّة ويُملّك ذمّته للآخرين وليس في الوكالة تمليك ، بل المال يبقى على ملك صاحبه الأوّل ، فما يجري في السوق الماليّة وبورص المعاملات هو القرض بسبب التمليك والتملّك في الذمم .
وبعبارة اُخرى : أنّ أصحاب الأموال ليست أموالهم نقديّة ، بل ذمّيّة ، واعتبار رأس مال البنك يتكوّن من ذمم اُخرى ، وبذلك يتحقّق للبنك ذمّة معتبرة يتعامل البنك عليها مع أصحاب الأعمال ، فذمّته مملوكة له لا مملوكة لأصحاب الأموال ، وهو قد تعامل على أمواله الاعتباريّة ( الذمّة ) وهم لم يسلّموه الأوراق ، فما يتملّك هو أيضاً ذمّة اعتباريّة لصاحب المال ، وتلك الذمّة الاعتباريّة هي مال معيّن على ذمّة بنك آخر ، وهلمّ جرّاً تترامى الاعتبارات ، وهو ما يقال عنه في العلم الحديث بترامي الاعتبارات الماليّة الذي قد يؤدّي إلى التضخّم في الاعتبارات زائداً على الغطاء الحقيقي للذمم ، مثلاً : يقال : دخل في حساب هذا التاجر كذا مبلغاً ، ويراد به أنّه جعل البنك يتملّك
هامش
( 1 ) أي في رصيده الإعتباري .