لا يكاد توجد حقيقة المخاطبة والنداء بدون ذلك ، فواقعية هذا المعنى وهويته تتوقف
على الاستعمال ، وبه يكون قوامه . وهذا بخلاف معنى زيد ، فان له نحو تقرر وثبوت
في وعاء التصور مع قطع النظر عن الاستعمال ، ومن هنا صار استعماله موجبا
لاخطار معناه ، بخلاف معنى ياء النداء وكاف الخطاب ، فإنه ليس له نحو تقرر
وثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال . نعم مفهوم النداء ومفهوم الخطاب له تقرر في
وعاء العقل ، الا انه لم توضع لفظة يا وكاف الخطاب بإزائه بل الموضوع بإزاء ذلك
المفهوم هو لفظة النداء ولفظة الخطاب ، لا لفظة يا وكاف الخطاب ، بل هما وضعتا
لايجاد النداء والخطاب ، وهذا في الجملة مما لا اشكال فيه . انما الاشكال في أن
جميع معاني الحروف تكون ايجادية أولا . ظاهر كلام المحقق ( 1 ) صاحب الحاشية : هو
اختصاص ذلك ببعض الحروف ، وكان منشأ توهم الاختصاص ، هو تخيل ان مثل
( من ) و ( إلى ) و ( على ) و ( في ) وغير ذلك من الحروف تكون معانيها اخطارية ، حيث
كان استعمالها موجبا لاخطار ما وقع في الخارج من نسبة الابتداء والانتهاء ، مثلا
في قولك سرت من البصرة إلى الكوفة تكون لفظة ( من ) و ( إلى ) حاكية عما وقع في
هامش
( 1 ) هداية المسترشدين في شرح معالم الدين . الفائدة الثانية من الفوائد التي وضعها في تتمة مباحث
الألفاظ . ص 22
واليك نص ما افاده قدس سره في هذا المقام :
" الثانية : الغالب في أوضاع الألفاظ أن تكون بإزاء المعاني التي يستعمل اللفظ فيها ، كما هو الحال في
معظم الألفاظ الدائرة في اللغات ، وحينئذ فقد يكون ذلك المعنى أمرا حاصلا في نفسه مع قطع النظر عن اللفظ
الدال عليه ، فليس من شأن اللفظ الا احضار ذلك المعنى ببال السامع ، وقد يكون ذلك المعنى حاصلا بقصده
من اللفظ من غير أن يحصل هناك معنى قبل أداء اللفظ ، فيكون اللفظ آلة لايجاد معناه وأداة لحصوله ويجرى كل
من القسمين في المركبات والمفردات . " إلى أن قال :
" والنوع الأول من المفردات معظم الألفاظ الموضوعة ، فإنها انما تقضى باحضار معانيها ببال السامع من غير أن
تفيد اثبات تلك المعاني في الخارج فهي أعم من أن تكون ثابتة في الواقع أولا . والنوع الثاني منها كأسماء الإشارة
والافعال الانشائية بالنسبة إلى وضعها النسبي ، وعدة من الحروف كحروف النداء والحروف المشبهة بالفعل
ونحوها ، فان كلا من الإشارة والنسبة الخاصة والنداء والتأكيد حاصل من استعمال هذا ، واضرب ، ويا ، وان ، في
معاينها . . "