تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 637

مساهمون:

ص٦٣٧
فَجَعَلْتُمْ ثُبُوتَ الْقُرْآنِ فِي الْمَصَاحِفِ مِثْلَ ثُبُوتِ اللَّهِ فِيهَا ، وَقُلْتُمْ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ } ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي التَّوْرَاةِ هُوَ اسْمُهُ ، وَأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا يَكْتُبُ فِي الْمُصْحَفِ اسْمَهُ فَأَسْمَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِهِ ، لَا أَنَّ ذَاتَهُ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِهِ . وَالشَّيْءُ لِوُجُودِهِ أَرْبَعَةٌ مَرَاتِبَ : وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ ، وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ ، وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ ، وَوُجُودٌ فِي الْبَنَانِ ، فَالْأَعْيَانُ لَهَا الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى ، ثُمَّ يُعْلَمُ بِالْقُلُوبِ ، ثُمَّ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللَّفْظِ ثُمَّ يُكْتَبُ اللَّفْظُ ؛ وَأَمَّا الْكَلَامُ فَلَهُ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ ، وَهُوَ الَّذِي يُكْتَبُ فِي الْمُصْحَفِ . فَأَيْنَ قَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّ الْكَلَامَ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْمُتَكَلِّمَ فِي الْكِتَابِ ، وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالْفَرْقِ ثُمَّ إنَّ مِنْكُمْ مَنْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } ، وَجَعَلَ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْعِبَارَةَ ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فَهُوَ أَفْسَدُ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أُضِيفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ حُرُوفَهُ ، فَقَدْ أَضَافَهُ فِي مَوْضِعٍ إلَى رَسُولٍ هُوَ جِبْرِيلُ ، وَفِي مَوْضِعٍ إلَى رَسُولٍ هُوَ مُحَمَّدٌ ، قَالَ فِي مَوْضِعٍ : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : { إنَّهُ لَقَوْلِ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ } . وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِبَارَتَهَا إنْ أَحْدَثَهَا جِبْرِيلُ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ أَحْدَثَهَا ، وَإِنْ أَحْدَثَهَا مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ جِبْرِيلُ أَحْدَثَهَا ؛ فَبَطَلَ قَوْلُكُمْ وَعُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَضَافَهُ إلَى الرَّسُولِ لِكَوْنِهِ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ لَا لِأَنَّهُ أَحْدَثَهُ وَابْتَدَأَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ لَقَوْلُ رَسُولٍ ، وَلَمْ يَقُلْ لَقَوْلُ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ ،