وَيُنَازِعُ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْحِكَايَةِ : هَلْ هِيَ الْمَحْكِيُّ كَمَا يَقُولُ الْجُبَّائِيُّ ، أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يَقُولُ ابْنُهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ الْحَاكِيَ لِكَلَامِ غَيْرِهِ لَيْسَ هُوَ الْمُبَلِّغَ لَهُ ، فَإِنَّ الْحَاكِيَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَمَثِّلِ بِهِ الَّذِي يَقُولُهُ لِنَفْسِهِ مُوَافِقاً لِقَائِلِهِ الْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ الْمُبَلِّغِ لَهُ الَّذِي يَقْصِدُ أَنْ يُبَلِّغَ كَلَامَ الْغَيْرِ .
وَلِلنِّيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي مِثْلِ هَذَا ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ مَعَ الْجَنَابَةِ بِخِلَافِ مَنْ قَالَهَا بِقَصْدِ ذِكْرِ اللَّهِ .
وَهَذَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّكُمْ لَمْ يُمْكِنْكُمْ أَنْ تَقُولُوا مَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ وَنَظْمَهُ لَيْسَ هُوَ عِنْدَكُمْ كَلَامَ اللَّهِ ، بَلْ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ مَخْلُوقٌ : إمَّا فِي الْهَوَاءِ وَإِمَّا فِي نَفْسِ ، جِبْرِيلَ وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ؛ فَاتَّفَقْتُمْ أَنْتُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ وَنَظْمَهُ مَخْلُوقٌ ، لَكِنْ قَالُوا هُمْ : ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ ، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ : لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ ؛ وَمَنْ قَالَ مِنْكُمْ إنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ ، فَصَارَتْ الْمُعْتَزِلَةُ خَيْراً مِنْكُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ وَهَذِهِ الْحُرُوفُ وَالنَّظْمُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ النَّاسُ هُوَ حِكَايَةُ تِلْكَ الْحُرُوفِ وَالنَّظْمِ الْمَخْلُوقِ عِنْدَكُمْ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ .
وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ كِلَابٍ يَقُولُ : إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حِكَايَةٌ عَنْ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ ، فَخَالَفَهُ الْأَشْعَرِيُّ لِأَنَّ الْحِكَايَةَ تُشْبِهُ الْمَحْكِيَّ ، وَهَذَا حُرُوفٌ ، وَذَلِكَ مَعْنًى .
وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ : بَلْ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْعِبَارَةَ لَا تُشْبِهُ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ .
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ .
فَإِنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي نَقْرَؤُهُ فِيهِ حُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ ، وَفِيهِ مَعَانٍ ؛ فَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالْحُرُوفِ بِأَلْسِنَتِنَا ، وَنَعْقِلُ الْمَعَانِي بِقُلُوبِنَا ، وَنِسْبَةُ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِقُلُوبِنَا إلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ كَنِسْبَةِ الْحُرُوفِ الَّتِي نَنْطِقُ بِهَا إلَى الْحُرُوفِ الْمَخْلُوقَةِ عِنْدَكُمْ .
فَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّ هَذَا حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ ، لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى مُجَرَّدٌ عِنْدَكُمْ وَهَذَا فِيهِ حُرُوفٌ وَمَعَانٍ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 634
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٣٤