خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً } الْقُدْرَةُ .
قَالَ : وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا وَالْقَاضِي لَيْسَ يُوَصِّلُ إلَى الْقَطْعِ بِإِثْبَاتِ صِفَتَيْنِ زَائِدَتَيْنِ ، عَلَى مَا عَدَاهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ ، وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نُنْكِرْ فِي قَضِيَّةِ الْعَقْلِ صِفَةً سَمْعِيَّةً لَا يَدُلُّ مُقْتَضَى الْعَقْلِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا سَمْعاً ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ السَّمْعُ مَقْطُوعاً بِهِ ، وَلَيْسَ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَصْحَابُ قَطْعٌ ؛ وَالظَّوَاهِرُ الْمُحْتَمَلَةُ لَا تُوجِبُ الْعِلْمَ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْعِ تَقْدِيرِ صِفَةٍ مُجْتَهَدٍ فِيهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْقَطْعِ فِيهَا بِعَقْلٍ ، وَلَيْسَ فِي الْيَدَيْنِ - عَلَى مَا قَالَهُ شَيْخُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظَرٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَلَا إجْمَاعٌ عَلَيْهِ ، فَيَجِبُ تَنْزِيلُ ذَلِكَ عَلَى مَا قُلْنَاهُ .
قَالَ : وَالظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْيَدَيْنِ حَمْلُهَا عَلَى جَارِحَتَيْنِ فَإِنْ اسْتَحَالَ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنَعَهُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْقُدْرَةِ أَوْ النِّعْمَةِ أَوْ الْمُلْكِ ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا مَحْصُولَتَانِ عَلَى صِفَتَيْنِ قَدِيمَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى زَائِدَتَيْنِ عَلَى مَا عَدَاهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ .
قُلْت : ثُمَّ ذَكَرَ الْجَوَابَ عَنْ صِحَّةِ أَئِمَّتِهِ بِمَا لَيْسَ ، هَذَا مَوْضِعَهُ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ هُوَ الِاسْتِقْصَاءَ فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَنَفْيِهَا ، إذْ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَى تَغْيِيرِ قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ .
وَأَبُو الْمَعَالِي اعْتَمَدَ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمْعِ مَا يَقْطَعُ بِثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ ، لَا نَصًّ وَلَا إجْمَاعَ وَالثَّانِيَةُ : الْمَنْعُ بِأَنْ يُتَكَلَّمَ فِي الصِّفَاتِ بِغَيْرِ قَطْعٍ عَقْلِيٍّ أَوْ نَقْلِيٍّ ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ .
وَهَذَا بَاطِلٌ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ : إذَا لَمْ يَقُمْ الْقَاطِعُ بِالثُّبُوتِ وَجَبَ الْقَطْعُ بِالِانْتِفَاءِ وَهَذَا مُطَابِقٌ لِمَا ذَكَرَ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ أَنَّ اللَّهَ مَعْرُوفٌ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ فِي الدُّنْيَا إمَّا بِالْعَقْلِ عَلَى قَوْلِ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَإِمَّا بِالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خِلَافُ إجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ ، وَخِلَافُ قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ إجْمَاعٌ ، فَإِنَّ الْقَطْعَ بِالنَّفْيِ بِلَا عِلْمٍ يُوجِبُ النَّفْيَ كَالْقَطْعِ بِالْإِثْبَاتِ بِلَا عِلْمٍ ، وَالْوَاجِبُ أَنْ تُعْطَى الْأَدِلَّةُ حَقَّهَا ، فَمَا كَانَ قَطْعِيّاً قُطِعَ بِهِ ، وَمَا كَانَ ظَاهِراً مُحْتَمِلاً قِيلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 606
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٠٦