ثَبَتَ أَنْ لَا صِفَةَ أَكْثَرُ مِمَّا بَيَّنَ الطَّرِيقَ إلَيْهِ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ .
قَالَ الْأُسْتَاذُ : وَالتَّعْوِيلُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ فِيهِ الْكَشْفَ عَنْ الْمَعْنَى .
قُلْت : الْجَوَابَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ اللَّهِ ، لَكِنْ هَلْ كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ بِالْعَقْلِ ، أَوْ مِنْهَا مَا عُلِمَ بِالسَّمْعِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ؟ وَمُحَقِّقُو الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَقُولُوا : إنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّا عَلِمْنَا اللَّهَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ ، أَوْ بِأَنَّهُ لَا صِفَةَ لَهُ وَرَاءَ مَا عَلِمْنَاهُ .
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : فَمَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةَ وَصَارَ إلَى أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلَالَاتُ الْمَعْقُولِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ } ، قَالُوا : وَلَا وَجْهَ لِحَمْلِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْقُدْرَةِ ، إذْ جُمْلَةُ الْمُخْتَرَعَاتِ مَخْلُوقَةٌ بِالْقُدْرَةِ فَفِي الْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ إبْطَالُ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ .
قَالَ : وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ ، فَإِنَّ الْعُقُولَ قَضَتْ بِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْقُدْرَةِ ، أَوْ يَكُونُ الْقَادِرُ قَادِراً ، فَلَا وَجْهَ لِاعْتِقَادِ خَلْقِ آدَمِيٍّ بِغَيْرِ الْقُدْرَةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ يَدَيْنِ صِفَتَيْنِ وَالْقُدْرَةُ وَاحِدَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى الْقُدْرَةِ .
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ : التَّثْنِيَةُ رَاجِعَةٌ إلَى اللَّفْظِ لَا إلَى الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْقَلَانِسِيِّ ، وَعَنْ الْأُسْتَاذِ ، عَلَى أَنَّهُ كَمَا يُعَبَّرُ بِالْيَدِ عَنْ الِاقْتِدَارِ ، فَكَذَلِكَ يُعَبَّرُ بِالْيَدَيْنِ عَنْ الِاقْتِدَارِ ، فَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ : " مَالِي بِهَذَا الْأَمْرِ يَدٌ " يَعْنُونَ : مَالِي بِهِ قُدْرَةٌ ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي : الْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْقُدْرَةُ .
قُلْت : هَذَا النَّقْلُ فِيهِ نَظَرٌ ، فَكِلَاهُمَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ ، بَلْ هُوَ نَصٌّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ .
قَالَ : وَأَجْمَعَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ، بِالْأَيْدِي فِي قَوْلِهِ : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
الفتاوى الكبرى — صفحة 605
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٠٥