تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
بِهِ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَمْرِ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ أَمْراً ، أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ : فَذَهَبَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ لَهُ صِيغَةٌ ، تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَى كَوْنِهِ أَمْراً ، إذَا انْفَرَدَتْ عَنْ الْقَرَائِنِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " افْعَلْ كَذَا وَكَذَا " وَإِذَا وَجَبَ ذَلِكَ عَارِيّاً عَنْ الْقَرَائِنِ كَانَ أَمْراً ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي كَوْنِهِ أَمْراً إلَى قَرِينَةٍ ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَلْخِيّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ . وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَسْرِهَا ، غَيْرَ الْبَلْخِيّ ، إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا صِيغَةَ لَهُ وَلَا يَدُلُّ اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى كَوْنِهِ أَمْراً ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَمْراً بِقَرِينَةٍ تَقْتَرِنُ بِهِ ، وَهُوَ الْإِرَادَةُ . إلَى أَنْ قَالَ : وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِنَفْسِ الْآمِرِ لَا يُفَارِقُ الذَّاتَ وَلَا يُغَايِرُهَا ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ سَائِرُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ مِنْ النَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ هَذَا فِي أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ الْآدَمِيِّينَ ، إلَّا أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى مُخْتَصٌّ بِكَوْنِهِ قَدِيمٌ ، وَأَمْرُ الْآدَمِيِّ مُحْدَثٌ ، وَهَذِهِ الْأَصْوَاتُ وَالْأَلْفَاظُ لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ أَمْراً وَلَا نَهْياً ، وَإِنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْهُ . قَالَ : وَكَانَ ابْنُ كِلَابٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يَقُولُ : هِيَ حِكَايَةٌ عَنْ الْأَمْرِ ، وَخَالَفَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا حِكَايَةٌ لِأَنَّ الْحِكَايَةَ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الْمَحْكِيِّ ، وَلَكِنْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَتَقَرَّرَ مَذْهَبُهُمْ عَلَى هَذَا ، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَقِيقَةَ مَذْهَبِهِمْ فَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَهُ صِيغَةٌ أَمْ لَا ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ فَذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يُقَالُ إنَّ لَهُ صِيغَةً ، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ صِيغَةٌ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكَرْخِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ الْفُصُولُ فِي الْأُصُولِ ، عَنْ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ ، إلْزَاماً لِذَوِي الْبِدَعِ وَالْفُضُولِ " وَذَكَرَ اثْنَا عَشَرَ إمَاماً وَهُمْ : الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، قَالَ فِيهِ : سَمِعْت الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ : سَمِعْت الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ : سَمِعْت الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ يَقُولُ : مَذْهَبِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 599 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا