تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
لَيْسَ هُوَ بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَنْزِلُ كَمَا يَشَاءُ وَيَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يَشَاءُ وَأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ . وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ ، وَأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ لَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ صِفَاتِهِ ؛ وَلَكِنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَفْعَلُ إذَا شَاءَ هُوَ صِفَتُهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْفِعْلِ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ تَجَدُّدَ الصِّفَةِ أَوْ زَوَالَهَا يَقْتَضِي تَغَيُّرَ الْمَوْصُوفِ وَاسْتِحَالَتَهُ ، وَيَقْتَضِي تَجَدُّدَ كَمَالٍ لَهُ بَعْدَ نَقْصٍ ، أَوْ تَجَدُّدَ نَقْصٍ لَهُ بَعْدَ كَمَالٍ ، كَمَا فِي صِفَاتِ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا إذَا حَدَثَ لِلْمَوْصُوفِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الصِّفَاتِ ، مِثْلُ تَجَدُّدِ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، أَوْ زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْفِعْلِ . وَهَكَذَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُخَالِفِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ ، وَاَلَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ إلَى السُّنَّةِ مِنْهُمْ ، مِنْ الْمُرْجِئَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَطَوَائِفَ مِنْ الشِّيعَةِ كَمَا نَقَلُوا عَنْ الْكَرَّامِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْإِرَادَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَالنَّظَرِ ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ : لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّماً وَلَمْ يَزَلْ بِمَشِيئَتِهِ الْقَدِيمَةِ وَلَمْ يَزَلْ سَمِيعاً بَصِيراً أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ لَا تُوجِبُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَصْفاً وَلَا هِيَ صِفَاتٌ لَهُ سُبْحَانَهُ ، وَاَلَّذِينَ يُنَازِعُونَ فِي هَذَا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَيَقُولُونَ لَوْ قَامَ فِعْلٌ حَادِثٌ بِذَاتِ الْقَدِيمِ لَاتَّصَفَ بِهِ وَصَارَ الْحَادِثُ صِفَةً لَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِقِيَامِ الْمَعَانِي وَاخْتِصَاصِهَا بِالذَّوَاتِ إلَّا كَوْنُهَا صِفَاتٍ لَهَا ، فَلَوْ قَامَتْ الْحَوَادِثُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالْإِرَادَاتِ بِذَاتِ الْقَدِيمِ لَاتَّصَفَ بِهَا كَمَا اتَّصَفَ بِالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْمَشِيئَةِ ، وَلَوْ اتَّصَفَ بِهَا لَتَغَيَّرَ بِهَا ، وَالتَّغَيُّرُ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ ، وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا صِفَةً وَتَغَيُّراً لَا يُوَافِقُهُمْ الْأَوَّلُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ اللُّغَةُ أَيْضاً مُوَافِقَةً عَلَيْهِ ، فَإِنَّهَا لَا تُسَمِّي قِيَامَ الْإِنْسَانِ وَقُعُودَهُ تَغَيُّراً لَهُ ، وَلَا يُطْلَقَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ وَإِنْ أُطْلِقَ ذَلِكَ فَالنِّزَاعُ اللَّفْظِيُّ لَا يَضُرُّ إلَّا إذَا خُولِفَتْ أَلْفَاظُ الشَّرِيعَةِ ، وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ كَثِيراً مَا يَتَنَازَعُونَ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الْمُتَشَابِهَةِ وَقَدْ قِيلَ أَكْبَرُ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتَرَاك الْأَسْمَاءِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْبِدَعِ فَهُمْ مُخَالِفُونَ الْكِتَابَ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ مُجْتَمِعُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ الْكِتَابِ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْحَرَكَةِ فِي الْجِهَاتِ لَيْسَتْ تَغَيُّراً مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الفتاوى الكبرى — صفحة 391 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا