تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وَالْمَعْنَى : أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَحِلِّينَ يَنْزِلُ مِنْهُمْ أَقْوَامٌ إلَى جَنْبِ جَبَلٍ ، فَيُوَاعِدُهُمْ رَجُلٌ إلَى الْغَدِ فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَيْلاً وَيَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، كَمَا ذُكِرَ الضَّمِيرُ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد حَيْثُ قَالَ : { يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ } وَكَمَا جَاءَ مُفَسَّراً فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، حَيْثُ قَالَ : { يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَمْسَخُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ } - وَالْخَسْفُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - التَّبْيِيتُ الْمَذْكُورُ فِي الْآخِرِ . فَإِنَّ التَّبْيِيتَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْبَأْسِ فِي اللَّيْلِ كَتَبْيِيتِ الْعَدُوِّ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ } وَهَذَا نَصٌّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا هَذِهِ الْمَحَارِمَ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ فِيهَا ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبُوهُ لَيْسَ هُوَ الْخَمْرَ ، وَإِنَّمَا لَهُ اسْمٌ آخَرُ إمَّا النَّبِيذُ أَوْ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا الْخَمْرُ عَصِيرُ الْعِنَبِ النِّيءُ خَاصَّةً ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ تَأْوِيلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْكُوفِيِّينَ مَعَ فَضْلِ بَعْضِهِمْ وَعِلْمِهِ وَدِينِهِ ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ :
دَعْ الْخَمْرَ يَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي * رَأَيْتُ أَخَاهَا قَائِماً فِي مَكَانِهَا فَإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ * أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا
وَلَقَدْ صَدَقَ فِيمَا قَالَ ، فَإِنَّ النَّبِيذَ إنْ لَمْ يُسَمَّ خَمْراً فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْخَمْرِ فِي الْمَعْنَى ، فَكَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُسَمَّى خَمْراً . وَإِنَّمَا أَتَى هَؤُلَاءِ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَاتِ بِمَا ظَنُّوهُ مِنْ انْتِفَاءِ الِاسْمِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى وُجُودِ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمِ وَثُبُوتِهِ . وَهَذَا بِعَيْنِهِ شُبْهَةُ الْيَهُودِ فِي اسْتِحْلَالِ بَيْعِ الشَّحْمِ بَعْدَ تَجْمِيلِهِ ، وَاسْتِحْلَالِ أَخْذِ الْحِيتَانِ يَوْمَ الْأَحَدِ بِمَا أَوْقَعُوهَا بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ فِي الشِّبَاكِ وَالْحَفَائِرِ مِنْ فِعْلِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، حَيْثُ قَالُوا : لَيْسَ هَذَا بِصَيْدٍ وَلَا عَمَلٍ فِي يَوْمِ السَّبْتِ . وَلَيْسَ هَذَا بِاسْتِبَاحَةِ الشَّحْمِ . بَلْ الَّذِي يَسْتَحِلُّ الشَّرَابَ الْمُسْكِرَ زَاعِماً أَنَّهُ لَيْسَ خَمْراً ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْخَمْرِ ، وَمَقْصُودَهُ مَقْصُودُ الْخَمْرِ أَفْسَدُ تَأْوِيلاً ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخَمْرَ اسْمٌ لِكُلِّ شَرَابٍ أَسْكَرَ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ قِيَاساً ، فَلَأَنْ كَانَ مِنْ الْقِيَاسِ مَا هُوَ حَقٌّ ، فَإِنَّ قِيَاسَ الْخَمْرِ الْمَنْبُوذَةِ عَلَى الْخَمْرِ الْمَعْصُورَةِ مِنْ الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ الْمُسَمَّى بِانْتِفَاءِ الْفَارِقِ ، وَهُوَ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا يُسْتَرَابُ فِي