تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ يَمِينٌ ، قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ يَمِينٌ ، وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ أَجْمَعَ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الْعَنَزِيِّ ، قَالَ : أَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بِيَدِي ، فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى السَّدِّ إذْ نَظَرَ إلَى السُّوقِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ أَهْلِهَا ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا . قَالَ : فَمَرَّ بِرَجُلٍ يَحْلِفُ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَآيَةٍ ، قَالَ فَغَمَزَنِي عَبْدُ اللَّهِ بِيَدِي ثُمَّ قَالَ : أَتَرَاهُ مُكَفِّراً ؟ أَمَا إنَّ كُلَّ آيَةٍ فِيهَا يَمِينٌ . وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ لَا يَجِبُ فِي الْحَلِفِ بِهَا يَمِينٌ ، كَالْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا ، إلَّا مَا نَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مِنْ الْحَلِفِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَوْنِ الْإِيمَانِ بِهِ أَحَدَ رُكْنَيْ الْإِيمَانِ . وَقَوْلُهُ : عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ يَمِينٌ . قَدْ اتَّبَعَهُ الْأَئِمَّةُ وَعَمِلُوا بِهِ ؛ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا ، لَكِنْ هَلْ تَتَدَاخَلُ الْأَيْمَانُ إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَاحِداً ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ ، ثُمَّ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ ، هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا ابْنُ صَالِحِ بْنُ جَابِرٍ الْأَنْمَاطِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي جِنَازَةٍ ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي لَحْدِهِ ، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّ الْقُرْآنِ اغْفِرْ لَهُ . فَوَثَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : مَهْ الْقُرْآنُ مِنْهُ . زَادَ الصُّهَيْبِيُّ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَرْبُوبٍ ، مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ . فَلَمَّا ابْتَدَعَتْ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ ، أَنْكَرَ ذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا ، ثُمَّ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ بِسَبَبِ مَنْ أَدْخَلُوهُ فِي شِرْكِهِمْ وَفِرْيَتِهِمْ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ ، وَجَرَتْ الْمِحْنَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْهُدَى عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ ، مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ بِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ ، وَهُوَ مِنْهُ وَقَائِمٌ بِهِ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقاً ، إنَّمَا الْمَخْلُوقُ مَا يَخْلُقُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُحْدَثَةِ وَصِفَاتِهَا . وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَرُدُّ قَوْلَ الْجَهْمِيَّةِ بِإِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ ، أَنَّهُ لَيْسَ كَلَامَهُ ، وَلَا تَكَلَّمَ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْمُسْتَقِرَّ فِي فِطْرِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ ، أَنَّ الْمُتَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ ، لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْكَلَامُ فَلَا يَكُونُ مُتَكَلِّماً بِشَيْءٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ بَلْ هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ كَمَا لَا يَكُونُ عَالِماً بِعِلْمٍ قَائِماً بِغَيْرِهِ ، وَلَا حَيّاً بِحَيَاةٍ
الفتاوى الكبرى — صفحة 378 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا