تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
لَهُ حَتَّى يُجَامِعَهَا ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا جَامَعَهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ ، وَلَوْ كَانَتْ إرَادَتُهَا تَحْلِيلاً مُفْسِداً لِلنِّكَاحِ أَوْ مُحَرِّماً لِلْعَوْدِ إلَى الْأَوَّلِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ ، سَوَاءٌ جَامَعَهَا أَوْ لَمْ يُجَامِعْهَا ، فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهَا إنَّمَا أَرَادَتْ الرُّجُوعَ إلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ حَلِّ عُقْدَةِ النِّكَاحِ ، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا مُرْتَغِباً ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِتُرَاجِعَ الْأَوَّلَ ، كَمَا أَرَادَ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِيَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ إنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ ، تُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ جِمَاعِهَا فَأَحَبَّتْ طَلَاقَهُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ إلَى الْأَوَّلِ ، ثُمَّ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِرَادَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ قُلْنَا الْجَوَابُ أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَوَّزَ لَهَا مُرَاجَعَةَ الْأَوَّلِ إذَا جَامَعَهَا الثَّانِي بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ رَغْبَتُهَا فِي الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَفْعَلْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِرَادَةُ حَدَثَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ يَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ ، فَإِنْ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالَ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ احْتِمَالُ تَجَدُّدِ الْإِرَادَةِ هُوَ الرَّاجِحُ لَكَانَ الْإِطْلَاقُ يَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ إذَا كَانَ الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ ظَاهِراً ، وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَلِفَتْ زَوْجاً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَدْ يَبْقَى فِي نَفْسِهَا مِنْهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ ، وَالنِّسَاءُ فِي الْغَالِبِ يَبْغُضْنَ الطَّلَاقَ وَيُحْبِبْنَ الْعَوْدَ إلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرَ مِمَّا يُحْبِبْنَ مُعَاشَرَةَ غَيْرِهِ . الْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ رَاغِبَةً فِي زَوْجِهَا الْأَوَّلِ بِخُصُوصِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا رَغْبَةٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ ، فَفِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { قَالَتْ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ فَطَلَّقَهَا ، وَكَانَ مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَلَمْ تَصِلْ مَعَهُ إلَى أَيِّ شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنِّي تَزَوَّجْت زَوْجاً غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ ، فَلَمْ يَقْرَبْنِي إلَّا هَنَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِلْ مِنْهُ إلَيَّ شَيْءٌ ، فَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّلِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِك الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَك وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ } ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَجُلاً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ مِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 301 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا