يُؤَثِّرُ الشَّرْطُ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَصَدَ التَّدْلِيسَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُسْتَنْكِحِ أَوْ الْمَنْكُوحَةِ كَانَ ذَلِكَ حَرَاماً مُثْبِتاً لِخِيَارِ الْفَسْخِ أَوْ مُبْطِلاً لِلْعَقْدِ .
وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ لَكَانَ الْعَقْدُ صَحِيحاً لَازِماً .
فَظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ يُؤَثِّرُ حَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ الشَّرْطُ .
كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يُؤَثِّرُ حَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ الْقَصْدُ .
وَقَدْ يُؤَثِّرَانِ جَمِيعاً إذَا كُلٌّ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِلْآخَرِ فِي وَحْدِهِ وَحَقِيقَتِهِ .
وَإِنَّمَا غَلِطَ هُنَا مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الشَّرْطُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْخَامِسُ : فَقَدْ اعْتَرَفَ الْمُعْتَرِضُ بِفَسَادِهِ وَقَالَ نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ بَاطِناً وَظَاهِراً وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الْحَدِيثِ فَنَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ ، فَلَا نَحْكُمُ فِي عَقْدٍ أَنَّهُ عَقْدُ تَحْلِيلٍ ، حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ إمَّا بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى تَوَاطُئِهَا قَبْلَ الْعَقْدِ ، أَوْ تَشْهَدُ بِعُرْفٍ جَارٍ بِصُورَةِ التَّحْلِيلِ ، فَإِنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ عَلَى حَالٍ جَارٍ مَجْرَى الشَّرْطِ بِالْمَقَالِ ، لَكِنَّا وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ إلَّا بِالظَّاهِرِ فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعَامِلَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا بِالْبَيِّنَاتِ الصَّحِيحَةِ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَنْوِيَ بِالشَّيْءِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَنْهَى النَّاسَ عَمَّا نَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النِّيَّاتِ الْبَاطِنَةِ ، وَإِنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أَنَّهَا فِيهِمْ ، كَمَا نَنْهَاهُمْ عَنْ سَائِرِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَأَنْ لَا نَكْتُمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدَ مَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي تَضَمَّنَ طَاعَةَ الرَّسُولِ .
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعَ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، وَعَلَيْنَا أَنْ لَا نُعِينَ أَحَداً بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِعَانَةِ عَلَى عَقِبٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ تَحْلِيلٌ ، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِأَنَّهُ تَحْلِيلٌ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ نُعِينَ أَحَداً عَلَى عَمَلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ أَوْ وَطْءِ مُحَرَّمٍ ، وَيَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى مَا يُخَافُ أَنْ يَكُونَ تَحْلِيلاً وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْقَلْبِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ تَحْرِيمِ التَّحْلِيلِ وَفَسَادُ عَقْدِ الْمُحَلِّلِ فِي الْبَاطِنِ .
وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا بَيِّنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
* * *
فَصْلٌ
وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْطَانُ لِلتَّحْلِيلِ حِيلَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يُزَوِّجَهَا الرَّجُلُ الْمُطَلِّقُ مِنْ عَبْدِهِ بِنِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهَا أَوْ يَهَبَهُ لَهَا ، فَإِذَا وَطِئَهَا الْعَبْدُ بَاعَهَا ذَلِكَ الْعَبْدُ أَوْ بَعْضُهُ أَوْ وَهَبَهَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 294
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٤