صَحِيحَيْنِ دُونَ مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِداً صَحِيحاً ، فَإِنَّ النِّيَّةَ الْبَاطِنَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي مُقْتَضَيَاتِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ ، فَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ حِكَايَةِ الْمَذْهَبِ ، وَحَسْبُهُ مِنْ الْجَوَابِ لَا تُسَلِّمُ فَإِنَّ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةَ يَكْفِيهَا الْمَنْعُ الْمُجَرَّدُ ، ثُمَّ نَقُولُ أَتَقُولُ إنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي مُقْتَضَيَاتِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ ظَاهِراً ، أَمْ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا ظَاهِراً وَلَا بَاطِناً ؟ .
الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ ، فَإِنَّا لَمْ نَدَّعِ أَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ تُبْطِلُ حُكْمَ اللَّفْظِ ظَاهِراً .
وَإِنَّمَا قُلْنَا الْعَقْدُ فِي الْبَاطِنِ بَاطِلٌ فِي حَقِّ الْمُحَلِّلِ .
وَإِنْ كَانَ حَلَالاً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ تَعْلَمْ بِالتَّحْلِيلِ فَيَأْثَمُ بِوَطْئِهَا وَبِإِعَادَتِهَا إلَى الْأَوَّلِ .
وَهِيَ لَا تَأْثَمُ بِتَمْكِينِهِ كَمَنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ ، وَإِنْ قَالَ إنَّ النِّيَّةَ الْبَاطِنَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي مُقْتَضَيَاتِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ بِحَالٍ ، فَيَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِصَرَائِحِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهَا ، إذَا صَرَفَهَا بِنِيَّتِهِ إلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ ، فَكَذَلِكَ لَفْظُ نَكَحْتُ يَحْتَمِلُ نِكَاحَ التَّحْلِيلِ وَقَدْ نَوَاهُ فَيَنْصَرِفُ اللَّفْظُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكاً أَوْ مُتَوَاطِئاً ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ ظَاهِراً وَالْآخَرُ بَاطِناً ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصّاً لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ ، فَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَتُؤَثِّرُ النِّيَّةُ فِيهِ كَمَا فِي الْكِنَايَاتِ ، وَكَذَلِكَ الْمُتَوَاطِئُ كَقَوْلِهِ اشْتَرَيْت فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ تُقَيِّدُهُ النِّيَّةُ لَهُ أَوْ لِمُوَكِّلِهِ ، وَأَمَّا النَّصُّ فَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ فِي خِلَافِ مَعْنَاهُ ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَمَا أَعْلَمُ أَحَداً خَالَفَ فِي أَنَّ النِّيَّةَ تُؤَثِّرُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَاللَّفْظُ الصَّرِيحُ يَشْتَمِلُ النَّصَّ وَالظَّاهِرَ ، فَقَوْلُهُ إنَّ اللَّفْظَ هُنَا صَرِيحٌ فَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ فِيهِ مَنْقُوضٌ بِمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصُّوَرِ ، بَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ لَفْظَ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ ظَاهِرٌ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ مِثْلَ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَنِكَاحِ الشِّغَارِ وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِذَا قَالَ نَكَحْت وَنَوَى نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ فَقَدْ قَصَدَ بِاللَّفْظِ مَا يَحْتَمِلُهُ .
ثُمَّ مَنْ نَوَى مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ إنْ كَانَ الْمَنْوِيُّ لَهُ دِينَ فِي الْبَاطِنِ إذَا أَمْكَنَ وَفِي قَبُولِهِ فِي الْحُكْمِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ .
إذَا كَانَ الِاحْتِمَالُ قَرِيباً مِنْ الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي نَوَاهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ظَاهِراً وَبَاطِناً كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قُمْت ، ثُمَّ قَالَ سَبَقَ لِسَانِي بِالشَّرْطِ وَلَمْ أُرِدْهُ .
أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَنْكِحُ فُلَانَةَ وَنَكَحَهَا نِكَاحاً فَاسِداً .
وَقَالَ نَوَيْت الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ .
فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ قَدْ نَوَى التَّحْلِيلَ عُلِمَتْ نِيَّتُهُ فِي الْبَاطِنِ فِي جَانِبِهِ خَاصَّةً .
فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ نَوَى ذَلِكَ قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ إفْسَادِ النِّكَاحِ فِي حَقِّهِ ثُمَّ هَذَا قِيَاسٌ بِجَمِيعِ أَلْفَاظِ الْعُقُودِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 290
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٠