اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَلِيلَ الْخَمْرِ وَكَثِيرَهَا ، وَحَكَمَ بِنَجَاسَتِهَا وَنَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ ، وَعَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَعَنْ الْأَوْعِيَةِ الْمُقَوِّيَةِ .
كُلُّ ذَلِكَ حَسْماً لِلْمَادَّةِ ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَادُ التَّامُّ هُوَ شُرْبُ الْمُسْكِرِ ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْكَثِيرَ طَبْعاً .
فَكَذَلِكَ أَصْلُ التَّحْلِيلِ لَمَّا كَانَ مُفْضِياً إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كَثِيراً أَوْ غَالِباً ، كَانَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ تَحْرِيمَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَسْلَكِ الذَّرَائِعِ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ لِهَذَا الْأَصْلِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُتْعَةِ شَرٌّ إلَّا وَفِي التَّحْلِيلِ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ بِكَثِيرٍ ، فَإِنَّ الْمُسْتَمْتِعَ رَاغِبٌ إلَى وَقْتٍ فَيُعْطِي الرَّغْبَةَ حَقَّهَا ، بِخِلَافِ الْمُحَلِّلِ فَإِنَّهُ تَيْسٌ مُسْتَعَارٌ ، فَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ يُشَنَّعَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَلَهُمْ فِي اسْتِحْلَالِهِ سَلَفٌ ، وَمَعَهُمْ فِيهِ أَثَرٌ وَحَظٌّ مِنْ قِيَاسٍ ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُوعاً بِمَا قَدْ نَسَخَهُ ، ثُمَّ يُرَخِّصُ فِي التَّحْلِيلِ الَّذِي لَعَنَ الشَّارِعُ فَاعِلَهُ وَلَمْ يُبِحْهُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ ، وَاتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ عَلَى لَعْنِ فَاعِلِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ حَظٌّ مِنْ قِيَاسٍ ، بَلْ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ ، وَيَعْتَصِمُ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِمُقَارَنَةِ الشَّرْطِ الْعَقْدَ وَتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ يَكُونُ هَذَا شَرْطاً وَذَاكَ تَوْقِيتاً ، وَهُوَ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا يُعْرَفُ مَأْثُوراً عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ ، بَلْ الْأُصُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ مُعْتَبَرَةٌ إمَّا صِحَّةً وَوَفَاءً وَإِمَّا فَسَاداً أَوْ إلْغَاءً سَوَاءٌ قَارَنَتْ الْعَقْدَ أَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ اسْتِقْصَاءِ ذَلِكَ لَبَسَطَنَا الْقَوْلَ فِيهِ .
فَإِنَّمَا قَدْ قَرَّرَنَا أَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ تَحْلِيلٌ ، وَالشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَلَكِنْ نُنَبِّهُ عَلَى بَعْضِ أَدِلَّةِ ذَلِكَ لِكَيْ يَدْخُلَ فِيهِ إذَا تَوَاطَآ عَلَى التَّحْلِيلِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا غَيْرَ نَاوٍ لِلتَّحْلِيلِ مِنْ غَيْرِ إظْهَارِ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } وَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } .
وَقَالَ : { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ } .
وَقَالَ : { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } .
وَلَمْ يُفَرِّقْ سُبْحَانَهُ بَيْنَ عَقْدٍ وَعَقْدٍ وَعَهْدٍ وَعَهْدٍ ، وَمَنْ شَارَطَ غَيْرَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ عَلَى صِفَاتٍ اتَّفَقَا عَلَيْهَا ثُمَّ تَعَاقَدَا بِنَاءً عَلَيْهَا فَهِيَ مِنْ عُقُودِهِمْ وَعُهُودِهِمْ ، لَا يَعْقِلُونَ وَلَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 267
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٧