تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
أَنَّ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَرِّمَ هُوَ مَنْ جَعَلَ الشَّيْءَ حَلَالاً وَحَرَاماً ، إمَّا فِي ذَاتِهِ أَوْ فِي الِاعْتِقَادِ ، ثُمَّ إنَّهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَحَلَّ الشَّيْءَ إذَا أَطْلَقَهُ لِمَنْ يُطِيعُهُ . وَحَرَّمَهُ إذَا مَنَعَ مَنْ يُطِيعُهُ مِنْهُ ، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يُزَكِّي فُلَاناً وَيُعَدِّلُهُ وَيُصَدِّقُهُ وَيُكَذِّبُهُ إذَا كَانَ يَجْعَلُهُ كَذَلِكَ فِي الِاعْتِقَادِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَيُقَالُ لِمَنْ قَصَدَ التَّحْلِيلَ مُحَلِّلٌ فَصَارَ الْمُحَلِّلُ يُقَالُ لِأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ . أَحَدُهَا : لِمَنْ أَثْبَتَ الْحِلَّ الشَّرْعِيَّ حَقِيقَةً أَوْ إظْهَاراً كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } ، وَالثَّانِي : لِمَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يُحَلِّلُ الْمُتْعَةَ وَيُحَلِّلُ نِكَاحَ الْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ . وَالثَّالِثُ : لِمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَكَمَا يُقَالُ السُّلْطَانُ قَدْ حَرَّمَ الْفُلُوسَ وَأَحَلَّهَا . وَالرَّابِعُ : لِمَنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَكُلُّ مِنْ أَثْبَتَ الْمَصْدَرَ الثُّلَاثِيَّ فِي الْوُجُودِيِّ الْعَيْنِيِّ أَوْ الْعِلْمِيِّ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ الْأَوَّلَ وَلَا الثَّانِيَ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ قَصَدَ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ نَعَمْ تَسْمِيَةُ الْفَرَسِ مَعَ الْفَرَسَيْنِ مُحَلِّلاً هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ . فَإِنْ قِيلَ : نَحْمِلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى شَرْطِ التَّحْلِيلِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَخْصِيصٌ ، فَالْمُوجِبُ لَهُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُؤَثِّرَةَ فِي الْعَقْدِ مَا قَارَنَتْهُ دُونَ مَا تَقَدَّمَتْهُ كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْبَيْعِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ التَّحْلِيلَ دُونَ مَنْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا ظَاهِرُهَا دُونَ بَاطِنِهَا ، وَإِلَّا لَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْعَاقِدِ الْآخَرِ ، فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى نِيَّةِ الْآخَرِ ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَفْتَقِرُ إلَى الشَّهَادَةِ فَلَوْ كَانَتْ النِّيَّةُ مُؤَثِّرَةً فِيهِ لَمْ تَنْفَعْ الشَّهَادَةُ ، إذَا كَانَ قَصْدُ الرَّغْبَةِ شَرْطاً فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئاً بِنِيَّةِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ صَحَّ ذَلِكَ ، وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِيهِ كَانَ فَاسِداً ، فَعُلِمَ أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ كَالشَّرْطِ ، هَذَا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ لَفْظَ التَّحْلِيلِ يَعُمُّ الْمَشْرُوطَ فِي الْعَقْدِ وَغَيْرَهُ ، وَإِلَّا فَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُحَلِّلَ إنَّمَا هُوَ مَنْ شَرَطَ التَّحْلِيلَ فِي الْعَقْدِ ، فَأَمَّا مَنْ نَوَاهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 232 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا