وَإِنَّمَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَرِّقَ ، أَوْ أَنْ يُخَوِّنَ سَرِقَةً أَوْ خِيَانَةً مِثْلَمَا سَرَّقَهُ إيَّاهُ ، أَوْ خَوَّنَهُ إيَّاهُ .
وَلَمْ تَكُنْ قِصَّةُ يُوسُفَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ ، نَعَمْ لَوْ كَانَ يُوسُفُ أَخَذَ أَخَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَكَانَ لِهَذَا الْمُحْتَجِّ شُبْهَةٌ .
مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضاً فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي شَرْعِنَا بِالِاتِّفَاقِ أَنْ يُحْبَسَ رَجُلٌ بَرِيءٌ وَيُعْتَقَلَ لِلِانْتِقَامِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ جُرْمٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ هَذَا الْقَوْلِ فِيمَا مَضَى ، وَإِنْ كَانَ حَقّاً فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِاعْتِقَالِهِ وَكَانَ هَذَا ابْتِلَاءً مِنْ اللَّهِ لِهَذَا الْمُعْتَقَلِ .
كَأَمْرِ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وَتَكُونُ حِكْمَتُهُ فِي حَقِّ الْمُبْتَلَى امْتِحَانَهُ وَابْتِلَاءَهُ لِيَنَالَ دَرَجَةَ الصَّبْرِ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ .
وَيَكُونُ حَالُهُ فِي هَذَا كَحَالِ أَبِيهِ يَعْقُوبَ فِي احْتِبَاسِ ، يُوسُفَ عَنْهُ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَيِّنٌ يُعْلَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ وَمِنْ حَالِ يُوسُفَ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } فَإِنَّ الْكَيْدَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ نَحْوُ مَنٍّ وَقَدْ نَسَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إلَى يُوسُفَ كَمَا نَسَبَهُ إلَى نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ : { إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً } وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَاَلَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ } وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ : { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاَللَّهِ } إلَى قَوْلِهِ : { وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ } : الْآيَةَ .
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ إنَّمَا سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِعْلَهُ بِالْمَاكِرِينَ وَالْكَائِدِينَ وَالْمُسْتَهْزِئِينَ مَكْراً وَكَيْداً وَاسْتِهْزَاءً مَعَ أَنَّهُ حَسَنٌ وَفِعْلُهُمْ قَبِيحٌ لِمُشَاكَلَتِهِ لَهُ فِي الصُّورَةِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 129
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٩