الضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ : { أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } إلَى قَوْلِهِ : { فَمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَسْمِيَتِهِمْ سَارِقِينَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَعَارِيضِ وَأَنَّ يُوسُفَ نَوَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ مِنْ أَبِيهِ حَيْثُ غَيَّبُوهُ عَنْهُ بِالْحِيلَةِ الَّتِي احْتَالُوهَا عَلَيْهِ وَخَانُوهُ فِيهِ وَالْخَائِنُ يُسَمَّى سَارِقاً وَهُوَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَشْهُورِ حَتَّى أَنَّ الْخَوَنَةَ مِنْ ذَوِي الدِّيوَانِ يُسَمُّونَ لُصُوصاً .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُنَادِيَ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ أَمَرَ يُوسُفُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلَ الصَّاعَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُوَكَّلِينَ بِالصِّيعَانِ - وَقَدْ فَقَدُوهُ وَلَمْ يَدْرُوا مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ - أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ عَلَى ظَنٍّ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ يُوسُفُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ كَذِباً كَانَ فِي حَقِّهِ وَغَالِبِ ظَنِّهِ مَا هُوَ عِنْدَهُ ، وَلَعَلَّ يُوسُفَ قَدْ قَالَ لِلْمُنَادِي هَؤُلَاءِ قَدْ سَرَقُوا ، وَعَنَى بِسَرِقَتِهِ مِنْ أَبِيهِ وَالْمُنَادِي فَهِمَ سَرِقَةَ الصُّوَاعِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ فَإِنَّ يُوسُفَ لَعَلَّهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى أَنَّ الصُّوَاعَ فِي رِحَالِهِمْ لِيَتِمَّ الْأَمْرُ فَنَادَى إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ بِنَاءً عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ يُوسُفُ ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ سَرَقْتُمْ صَاعَ الْمَلِكِ إنَّمَا قَالَ نَفْقِدُهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ ، أَوْ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى مَا صَنَعَهُ يُوسُفُ فَاحْتَرَزَ فِي قَوْلِهِ فَقَالَ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَفْعُولَ لِيَصِحَّ أَنْ يُضْمِرَ سَرِقَتَهُمْ يُوسُفَ ، ثُمَّ قَالَ : نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ احْتَرَزَ يُوسُفُ فِي قَوْلِهِ : { مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } وَلَمْ يَقُلْ إلَّا مَنْ سَرَقَ .
وَعَلَى التَّقْدِيرِ فَالْكَلَامُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَعَارِيضِ وَقَدْ قَالَ نَصْرُ بْنُ حَاجِبٍ سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَذِرُ إلَى أَخِيهِ مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ فَعَلَهُ وَيُحَرِّفُ الْقَوْلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 127
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٧