تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
نَفْسِهِ وَلَا مَقْصُوداً لِمَا هُوَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ مِنْ الشَّارِعِ وَالْعَاقِدِ جَمِيعاً ، لِأَنَّهُ عَبَثٌ وَتَفَاصِيلُ هَذَا الْكَلَامِ فِيهَا طُولٌ لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ . وَأَمَّا بَيَانُ الْوَجْهِ الثَّانِي فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ إنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يَنْكِحَهَا لِيُطَلِّقَهَا وَكَذَلِكَ الْمُخْتَلِعَةُ إنَّمَا تَخْتَلِعُ ، لِأَنَّ تَرَاجُعَ الْعَقْدِ لَا يُقْصَدُ بِهِ ضِدُّهُ وَنَقِيضُهُ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِمَّا يُقْصَدُ فِي النِّكَاحِ أَبَداً كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُعْقَدُ لِلْفَسْخِ قَطُّ وَالْهِبَةُ لَا تُعْقَدُ لِلرُّجُوعِ فِيهَا قَطُّ وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِداً ، أَوْ قَارِناً لِقَصْدِ فَسْخِ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَإِنَّ الْفَسْخَ إعْدَامُ الْعَقْدِ وَرَفْعُهُ فَإِذَا عَقَدَ الْعَقْدَ لَأَنْ يَفْسَخَهُ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ عَدَمَ الْعَقْدِ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ عَدَمَهُ لَمْ يَقْصِدْ وُجُودَهُ فَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ مَقْصُوداً أَصْلاً فَيَكُونُ عَبَثاً إذْ الْعُقُودُ إنَّمَا تُعْقَدُ لِفَوَائِدِهَا وَثَمَرَاتِهَا وَالْفُسُوخُ رَفْعٌ لِلثَّمَرَاتِ وَالْفَوَائِدِ فَلَا يَقْصِدُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَوْجُوداً مَعْدُوماً ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ التَّكَلُّمَ بِصُورَةِ الْعَقْدِ وَالْفَسْخِ وَلَمْ يَقْصِدْ حُكْمَ الْعَقْدِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ . وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْآثَارِ تَسْمِيَتُهُ مُخَادِعاً وَمُدَلِّساً . وَلَا يُقَالُ : مَقْصُودُهُ مَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْفَسْخِ مِنْ الْحِلِّ لِلْمُطَلِّقِ لِأَنَّ الْحِلَّ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا ثَبَتَ الْعَقْدُ ثُمَّ انْفَسَخَ وَمَقْصُودُ الْعَقْدِ حُصُولُ مُوجَبِهِ وَمَقْصُودُ الْفَسْخِ زَوَالُ مُوجَبِ الْعَقْدِ فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا عَقْدَ فَلَا فَسْخَ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَابِعُهُ وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَلِهَذَا يُسَمَّى مِثْلُ هَذَا مُتَلَاعِباً مُسْتَهْزِئاً بِآيَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ . وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ الْمَقَاصِدِ الْفَرْعِيَّةِ فِي النِّكَاحِ مِثْلِ مُصَاهَرَةِ الْأَوَّلِ وَتَرْبِيَةِ الْأَخَوَاتِ فَإِنَّ تِلْكَ الْمَقَاصِدَ لَا تُنَافِي النِّكَاحَ بَلْ تَسْتَدْعِي بَقَاءَهُ وَدَوَامَهُ فَهِيَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِحُصُولِ مُوجَبِ الْعَقْدِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ الشَّيْءَ يُفْعَلُ لِأَغْلَبِ فَوَائِدِهِ وَلَا تُزَالُ فَوَائِدُهُ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ تِلْكَ الْمَقَاصِدُ مُبَيِّنَةً لِحَقِيقَتِهِ بَلْ مُجَامِعَةً لَهَا مُسْتَلْزِمَةً إيَّاهَا أَمَّا أَنْ تُفْعَلَ لِرَفْعِ حَقِيقَتِهِ وَتُوجَدَ لِمُجَرَّدِ أَنْ تُعْدَمَ فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ شِرَاءِ الْعَبْدِ لِيُعْتِقَهُ ، أَوْ الطَّعَامِ لِيُتْلِفَهُ فَإِنَّ قَصْدَ الْعِتْقِ وَالْإِتْلَافِ لَا يُنَافِي قَصْدَ الْبَيْعِ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ : إنَّ هَذَا رَفْعٌ لِلْعَقْدِ وَفَسْخٌ لَهُ ، وَإِنَّمَا يُنَافِي بَقَاءَ الْمِلْكِ وَدَوَامَهُ وَالْأَمْوَالُ لَا يُقْصَدُ بِمِلْكِهَا بَقَاؤُهَا فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِأَعْيَانِهَا وَمَنَافِعِهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِإِزَالَةِ الْمَالِيَّةِ عَنْ الشَّيْءِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ ، فَإِنَّهَا تُقْصَدُ لِلِانْتِفَاعِ بِذَاتِهَا كَالْأَكْلِ ، أَوْ بِبَذْلِهَا الدِّينِيِّ أَوْ الدُّنْيَوِيِّ كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ ، أَوْ بِمَنْفَعَتِهَا كَالسَّكَنِ ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا تُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 115 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا