تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ أَقَرَّ مَنْ فِي يَدِهِ عَقَارٌ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ عَلَى جِهَةٍ مُتَّصِلَةٍ وَكَانَ قَدْ جَعَلَ هَذَا حِيلَةً لِوَقْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَمَا حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ وَحُكْمُ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ؟ قِيلَ : هَذَا أَيْضاً إنَّمَا قَصَدَ إنْشَاءَ الْوَقْفِ فَيَكُونُ كَمَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقٍ ، أَوْ عَتَاقٍ يَنْوِي بِهِ الْإِنْشَاءَ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَنْعَقِدُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ وَبِاللَّفْظِ الْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَيَصِحُّ أَيْضاً بِالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ هُوَ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ وَتَكَلَّمَ بِقَوْلِهِ هَذَا وَقْفٌ عَلَيَّ ، ثُمَّ عَلَى كَذَا وَكَذَا وَمَيَّزَهُ بِالْفِعْلِ عَنْ مِلْكِهِ صَارَ كَمَا لَوْ قَالَ وَقَفْته عَلَى نَفْسِي ، ثُمَّ عَلَى كَذَا وَكَذَا ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَةً فِي الْإِنْشَاءِ ، يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْإِخْبَارَ فَإِذَا قَصَدَ بِهِ دُيِّنَ . بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ إقْرَاراً مَحْضاً وَهُوَ يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ فِيهِ كَانَ وُجُودُ هَذَا الْإِقْرَارِ كَعَدَمِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ : فَفُرِّقَ بَيْنَ إقْرَارٍ قَصَدَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَمَّا مَضَى . وَإِقْرَارٍ قَصَدَ بِهِ الْإِنْشَاءَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ . وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ صِيَغَ الْعُقُودِ قَدْ قِيلَ : هِيَ إنْشَاءَاتٌ . وَقِيلَ : إخْبَارَاتٌ - وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إخْبَارٌ عَنْ الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقَلْبِ وَتِلْكَ الْمَعَانِي أُنْشِئَتْ فَاللَّفْظُ خَبَرٌ وَالْمَعْنَى إنْشَاءٌ إنَّمَا يَتِمُّ حُكْمُهُ بِاللَّفْظِ ، فَإِذَا أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ وَقْفٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَقِفْهُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ كَاذِبٌ فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنْ يَصِيرَ هُوَ وَاقِفاً لَهُ فَقَدْ أَجْمَعَ لَفْظَ الْإِخْبَارِ ، وَإِرَادَتَهُ الْوَقْفَ . فَلَوْ كَانَ أَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَيْبٌ أَنَّهُ إنْشَاءُ وَقْفٍ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ إخْبَاراً عَنْ غَيْرِ مَا عَنَاهُ وَاَلَّذِي عَنَاهُ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ صَارَتْ الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةً ، لَكِنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ مَعَ هَذَا اللَّفْظِ وَنَحْوِهِ وَمَعَ الْفِعْلِ الَّذِي لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ لَفْظٍ لَكَانَ مَعَ النِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْوَقْفِ يُوجِبُ جَعْلَ هَذَا وَقْفاً ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْبَنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا - ، وَإِذَا كَانَ هَذَا إنْشَاءٌ لِلْوَقْفِ فَحُكْمُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ مَثَلاً بُطْلَانَ وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَبُطْلَانَ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ . فَالْوَاجِبُ مَعَ هَذَا الِاعْتِقَادِ إمَّا الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِهِ ظَاهِراً وَبَاطِناً ، أَوْ الْوَصِيَّةُ بِالْوَقْفِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِيمَا يَسُوغُ الْوَصِيَّةُ فِيهِ وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا زَادَ ، أَوْ تَرْكُ الْوَقْفِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اعْتَقَدَ اعْتِقَاداً يَرَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِمُوجَبِهِ كَالْأُمُورِ الَّتِي لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهَا مِنْ الرِّبَا وَالسِّفَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 103 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا