تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
وَالْيَقِينِ ، حَصَلَ لَهُ تَشَوُّقٌ إلَى مَقَامٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ فَهُوَ حَائِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ دُونَ مَا وَصَلَ إلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : أَعْرَفُ النَّاسِ بِاَللَّهِ أَشَدُّهُمْ فِيهِ تَحَيُّراً أَيْ أَطْلَبُهُمْ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ تُوجِبُ لَهُ الشُّعُورَ بِأُمُورٍ لَمْ يَعْرِفْهَا بَعْدُ ، بَلْ هُوَ حَائِرٌ فِيهَا طَالِبٌ لِمَعْرِفَتِهَا وَالْعِلْمِ بِهَا . وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِاَللَّهِ قَدْ قَالَ : " لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك " وَالْخَلْقُ مَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلاً ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ قَالَ : انْتَهَى عَقْلُ الْعُقَلَاءِ إلَى الْحِيرَةِ ، فَهَذَا مَا أَعْرِفُهُ مِنْ كَلَامِ الْجُنَيْدِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، هَلْ قَالَهُ ؟ وَلَعَلَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ الْمَعْهُودِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ هَذَا فَأَرَادَ عَدَمَ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ يَقِينٌ وَمَعْرِفَةٌ وَهُدًى وَعِلْمٌ ، فَإِنَّ الْجُنَيْدَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ هَذَا ، وَهَذَا الْكَلَامُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ قَالَهُ . لَكِنْ إذَا قِيلَ : إنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ مَهْمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ وَالْهُدَى فَهُنَاكَ أُمُورٌ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهَا ، فَهَذَا صَحِيحٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ ، وَأَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ : { اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَداً مِنْ خَلْقِك ، أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ صَدْرِي ، وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ هَذَا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحاً } . فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ وَهَذِهِ لَا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ وَلَا بَشَرٌ . فَإِذَا أَرَادَ الْمُرِيدُ أَنَّ عُقُولَ الْعُقَلَاءِ لَمْ تَصِلْ إلَى مَعْرِفَةِ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَهَذَا صَحِيحٌ ، وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنَّ الْعُقَلَاءَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ وَلَا يَقِينٌ ، بَلْ حِيرَةٌ وَرَيْبٌ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعاً . وَمَا ذُكِرَ عَنْ ذِي النُّونِ فِي هَذَا الْبَابِ ، مَعَ أَنَّ ذَا النُّونِ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ كَلَامٌ أُنْكِرَ عَلَيْهِ وَعَزَّرَهُ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ ، وَطَلَبُهُ الْمُتَوَكِّلُ إلَى بَغْدَادَ ، وَاتُّهِمَ بِالزَّنْدَقَةِ ، وَجَعَلَهُ النَّاسُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ ، فَمَا أَدْرِي هَلْ قَالَ هَذَا أَمْ لَا ، بِخِلَافِ الْجُنَيْدِ فَإِنَّ الِاسْتِقَامَةَ