تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وَلَفْظُ الْوُصُولِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ سَالِكٍ إلَّا وَلَهُ غَايَةٌ يَصِلُ إلَيْهَا . وَإِذَا قِيلَ : وَصَلَ إلَى اللَّهِ أَوْ إلَى تَوْحِيدِهِ أَوْ مَعْرِفَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، فَفِي ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالدَّرَجَاتِ الْمُتَبَايِنَةِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى . وَيَأْسُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَصِلَ إلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ كَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجُوَ ذَلِكَ وَيَطْمَعَ فِيهِ ، لَكِنْ مَنْ رَجَا شَيْئاً يَطْلُبُهُ ، وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَعَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى . وَلَازَمَ الِاسْتِغْفَارَ وَالِاجْتِهَادَ . فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالٍ . وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ . وَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ وَنُورُ الْهِدَايَةِ . فَلْيُكْثِرْ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ . وَلْيُلَازِمْ الِاجْتِهَادَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ . فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } ، وَعَلَيْهِ بِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ ظَاهِراً وَبَاطِناً . وَلُزُومُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ؛ مُسْتَعِيناً بِاَللَّهِ مُتَبَرِّئاً مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ . فَفِي الْجُمْلَةِ : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَيْأَسَ . بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجُوَ رَحْمَةَ اللَّهِ . كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ لَا يَيْأَسَ ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخَافَ عَذَابَهُ . قَالَ تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّك كَانَ مَحْذُوراً } . قَالَ بَعْضُهُمْ : مَنْ عَبَدَ اللَّهُ بِالْحُبِّ وَحْدَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ . وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ فَهُوَ حَرُورِيٌّ . وَمَنْ عَبَدَهُ بِالرَّجَاءِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُرْجِئٌ ، وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْحُبِّ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ " مَتَى أَصِلُ إلَى طَرِيقِ الرَّاجِينَ وَأَنَا مُقِيمٌ فِي حِيرَةِ الْمُتَحَيِّرِينَ " فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ عَنْ حَالٍ مَذْمُومٍ هُوَ فِيهَا ، كَمَا يُخْبِرُ الرَّجُلُ عَنْ نَقْصِ إيمَانِهِ وَضَعْفِ عِرْفَانِهِ ، وَرَيْبٍ فِي يَقِينِهِ ، وَلَيْسَ مِثْلُ هَذَا مِمَّا يُطْلَبُ ، بَلْ هُوَ مِمَّا يُسْتَعَاذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ إنَّهُ قَالَ : الْعَارِفُ كُلَّمَا انْتَقَلَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ اسْتَقْبَلَتْهُ الدَّهْشَةُ وَالْحِيرَةُ ، فَهَذَا قَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا انْتَقَلَ إلَى مَقَامٍ مِنْ الْمَعْرِفَةِ