الْغَزْوِ وَقَالُوا إنَّك لَمْ تَحُجَّ تُرِيدُ أَنْ تَغْزُوَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَغْزُو وَلَا عَلَيْهِ فَإِنْ أَعَانَهُ اللَّهُ حَجَّ وَلَا نَرَى بِالْغَزْوِ قَبْلَ الْحَجِّ بَأْساً .
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : هَذَا مَعَ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ لَكِنَّ تَأْخِيرَهُ لِمَصْلَحَةِ الْجِهَادِ كَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفَوْرِ لِانْتِظَارِ قَوْمٍ أَصْلَحَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ لِضَرَرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَتَأْخِيرِ الْفَوَائِتِ لِلِانْتِقَالِ عَنْ مَكَانِ الشَّيْطَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَجْوَدُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي تَأْخِيرِ النَّبِيِّ إنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ مُتَقَدِّماً .
وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي الْغَزْوَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَالٌ لِلْحَجِّ لِأَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ أَعَانَهُ اللَّهُ حَجَّ مَعَ أَنَّ عِنْدَهُ تَقْدِيمَ الْحَجِّ أَوْلَى كَمَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِالشُّرُوعِ وَعِنْدَ اسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ لَكِنْ لَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِبَعْضِهِمْ لِنَوْعِ مَصْلَحَةٍ فَلَا بَأْسَ ، وَإِذَا دَخَلَ الْعَدُوُّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُهُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إذْ بِلَادُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَأَنَّهُ يَجِبُ النَّفِيرُ إلَيْهِ بِلَا إذْنِ وَالِدٍ وَلَا غَرِيمٍ ، وَنُصُوصُ أَحْمَدَ صَرِيحَةٌ بِهَذَا وَهُوَ خَيْرٌ مِمَّا فِي الْمُخْتَصَرَاتِ .
لَكِنْ هَلْ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَكَانِ النَّفِيرُ إذَا نَفَرَ إلَيْهِ الْكِفَايَةُ كَلَامُ أَحْمَدَ فِيهِ مُخْتَلِفٌ وَقِتَالُ الدَّفْعِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ كَثِيراً لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ لَكِنْ يُخَافُ إنْ انْصَرَفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ عَطَفَ الْعَدُوُّ عَلَى مَنْ يُخَلَّفُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُنَا قَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَبْذُلُوا مُهَجَهُمْ وَمُهَجَ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِمْ فِي الدَّفْعِ حَتَّى يَسْلَمُوا وَنَظِيرُهَا أَنْ يَهْجُمَ الْعَدُوُّ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكُونَ الْمُقَاتِلَةُ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ فَإِنْ انْصَرَفُوا اسْتَوْلَوْا عَلَى الْحَرِيمِ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ قِتَالُ دَفْعٍ لَا قِتَالُ طَلَبٍ لَا يَجُوزُ الِانْصِرَافُ فِيهِ بِحَالٍ وَوَقْعَةُ أُحُدٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي أُمُورِ الْجِهَادِ وَتَرَامِي أَهْلِ الدِّينِ الصَّحِيحِ الَّذِينَ لَهُمْ خِبْرَةٌ بِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الدُّنْيَا دُونَ الدِّينِ الَّذِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ فِي ظَاهِرِ الدِّينِ فَلَا يُؤْخَذُ بِرَأْيِهِمْ وَلَا يُرَاءَا أَهْلُ الدِّينِ الَّذِينَ لَا خِبْرَةَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالرِّبَاطُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَقَامِ بِمَكَّةَ إجْمَاعاً .
وَلَا يُسْتَعَانُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي عِمَالَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مَفَاسِدُ أَوْ يُفْضِي إلَيْهَا وَسُئِلَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي مِثْلِ الْخَرَاجِ فَقَالَ لَا يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ وَمَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ دُيُوناً لِلْمُسْلِمِينَ أَيُنْقَضُ عَهْدُهُ وَمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ أَذًى لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ سَعَى فِي فَسَادِهِ لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ وَغَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 539
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٣٩