تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
" وَالنَّدَمُ " سَوَاءٌ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ ، أَوْ مِنْ بَابِ الْإِرَادَاتِ ، أَوْ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ بَابِ الْآلَامِ الَّتِي تَلْحَقُ النَّفْسَ بِسَبَبِ فِعْلِ مَا يَضُرُّهَا ؛ فَإِذَا اسْتَشْعَرَ الْقَلْبُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يَضُرُّهُ ، حَصَلَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ مِنْ السَّيِّئَاتِ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ ، وَكَرَاهِيَةٌ لِمَا كَانَ فَعَلَهُ ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ ؛ وَحَصَلَ لَهُ أَذًى وَغَمٌّ لِمَا كَانَ فَعَلَهُ ؛ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْآلَامِ ، كَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ ، كَمَا أَنَّ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ هُوَ مِنْ بَابِ اللَّذَّاتِ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْإِرَادَاتِ . وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ : إنَّ اللَّذَّةَ هِيَ إدْرَاكُ الْمُلَائِمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُلَائِمٌ ، وَإِنَّ الْأَلَمَ هُوَ إدْرَاكُ الْمُنَافِرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُنَافِرٌ فَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ . فَإِنَّ اللَّذَّةَ وَالْأَلَمَ حَالَانِ يَتَعَقَّبَانِ إدْرَاكَ الْمُلَائِمِ وَالْمُنَافِرِ فَإِنَّ الْحُبَّ لِمَا يُلَائِمُهُ ، كَالطَّعَامِ الْمُشْتَهَى مَثَلاً لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ . أَحَدُهَا : الْحُبُّ ، كَالشَّهْوَةِ لِلطَّعَامِ . وَالثَّانِي : إدْرَاكُ الْمَحْبُوبِ ، كَأَكْلِ الطَّعَامِ . وَالثَّالِثُ : اللَّذَّةُ الْحَاصِلَةُ بِذَلِكَ ، وَاللَّذَّةُ أَمْرٌ مُغَايِرٌ لِلشَّهْوَةِ وَلِذَوْقِ الْمُشْتَهِي ، بَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ لِذَوْقِ الْمُشْتَهِي ؛ لَيْسَتْ نَفْسَ ذَوْقِ الْمُشْتَهَى . وَكَذَلِكَ " الْمَكْرُوهُ " كَالضَّرْبِ مَثَلاً . فَإِنَّ كَرَاهَتَهُ شَيْءٌ ، وَحُصُولَهُ شَيْءٌ آخَرُ ، وَالْأَلَمُ الْحَاصِلُ بِهِ ثَالِثٌ . وَكَذَلِكَ مَا لِلْعَارِفِينَ أَهْلَ مَحَبَّةِ اللَّهِ مِنْ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ بِذَلِكَ ؛ فَإِنَّ حُبَّهُمْ لِلَّهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذِكْرِ الْمَحْبُوبِ شَيْءٌ ، ثُمَّ اللَّذَّةُ الْحَاصِلَةُ بِذَلِكَ أَمْرٌ ثَالِثٌ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحُبَّ مَشْرُوطٌ بِشُعُورِ الْمَحْبُوبِ ، كَمَا أَنَّ الشَّهْوَةَ مَشْرُوطَةٌ بِشُعُورِ الْمُشْتَهِي ؛ لَكِنَّ الشُّعُورَ الْمَشْرُوطَ فِي اللَّذَّةِ غَيْرُ الشُّعُورِ الْمَشْرُوطِ فِي الْمَحَبَّةِ ، فَهَذَا الثَّانِي يُسَمَّى إدْرَاكاً وَذَوْقاً وَنَيْلاً وَوَجْداً وَوِصَالاً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ إدْرَاكِ الْمَحْبُوبِ ، سَوَاءً كَانَ بِالْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ ، ثُمَّ هَذَا الذَّوْقُ يَسْتَلْزِمُ اللَّذَّةَ ، وَاللَّذَّةُ أَمْرٌ يُحِسُّهُ الْحَيُّ بَاطِناً وَظَاهِراً . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبّاً ،