ذَلِكَ الْحَرْفِ ، وَلَمَّا غَلَبَ هَذَا الِاصْطِلَاحُ صَارَ يَتَوَهَّمُ مَنْ اعْتَادَهُ أَنَّهُ هَكَذَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ لَفْظَ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ لَفْظاً مُشْتَرَكاً بَيْنَ الِاسْمِ مَثَلاً وَبَيْنَ الْجُمْلَةِ ، وَلَا يَعْرِفُ فِي صَرِيحِ اللُّغَةِ مِنْ لَفْظِ الْكَلِمَةِ إلَّا الْجُمْلَةَ التَّامَّةَ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ ذِكْرُهُ " بِجُمْلَةٍ تَامَّةٍ " وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْكَلَامِ ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُ بِالْكَلِمَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْفَعُ الْقُلُوبَ ، وَيَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْأَجْرُ ، وَالْقُرْبُ إلَى اللَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَخَشْيَتُهُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَالْمَقَاصِدِ السَّامِيَةِ .
وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى " الِاسْمِ الْمُفْرَدِ " مُظْهَراً أَوْ مُضْمَراً فَلَا أَصْلَ لَهُ ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصَّةِ وَالْعَارِفِينَ ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَذَرِيعَةٌ إلَى تَصَوُّرَاتِ أَحْوَالٍ فَاسِدَةٍ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ ، وَأَهْلِ الِاتِّحَادِ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَجِمَاعُ الدِّينِ " أَصْلَانِ " أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ ، وَلَا نَعْبُدَهُ إلَّا بِمَا شَرَعَ ، لَا نَعْبُدَهُ بِالْبِدَعِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } .
وَذَلِكَ تَحْقِيقُ " الشَّهَادَتَيْنِ " : شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ .
فَفِي الْأُولَى أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا إيَّاهُ ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَنَّ مُحَمَّداً هُوَ رَسُولُهُ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ .
فَعَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَ خَبَرَهُ وَنُطِيعَ أَمْرَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا مَا نَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ ، وَنَهَانَا عَنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا ضَلَالَةٌ .
قَالَ تَعَالَى : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .
كَمَا أَنَّا مَأْمُورُونَ أَنْ لَا نَخَافَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَلَا نَرْغَبُ إلَّا إلَى اللَّهِ ، وَلَا نَسْتَعِينُ إلَّا بِاَللَّهِ : وَأَنْ لَا تَكُونَ عِبَادَتُنَا إلَّا لِلَّهِ ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ مَأْمُورُونَ أَنْ نَتَّبِعَ الرَّسُولَ وَنُطِيعَهُ وَنَتَأَسَّى بِهِ ، فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } فَجَعَلَ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، كَمَا قَالَ : { وَمَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 216
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٦