وَأَمَّا الِاسْمُ الْمُفْرَدُ مُظْهَراً أَوْ مُضْمَراً فَلَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ ، وَلَا جُمْلَةً مُفِيدَةً وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إيمَانٌ وَلَا كُفْرٌ وَلَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ ، وَلَا شَرَعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَا يُعْطِي الْقَلْبَ بِنَفْسِهِ مَعْرِفَةً مُفِيدَةً وَلَا حَالاً نَافِعاً .
وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ تَصَوُّراً مُطْلَقاً لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ وَحَالِهِ مَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ .
وَالشَّرِيعَةُ إنَّمَا تُشَرِّعُ مِنْ الْأَذْكَارِ مَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ لَا مَا تَكُونُ الْفَائِدَةُ حَاصِلَةً بِغَيْرِهِ .
وَقَدْ وَقَعَ بَعْضُ مَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ فِي فُنُونٍ مِنْ الْإِلْحَادِ وَأَنْوَاعٍ مِنْ الِاتِّحَادِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَمَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ : أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ .
حَالٌ لَا يُقْتَدَى فِيهَا بِصَاحِبِهَا ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَلَطِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ ؛ إذْ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ يَمُتْ إلَّا عَلَى مَا قَصَدَهُ وَنَوَاهُ ، إذْ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ بِتَلْقِينِ الْمَيِّتِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَقَالَ : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ } وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ مَحْذُوراً لَمْ يُلَقَّنْ الْمَيِّتُ كَلِمَةً يُخَافُ أَنْ يَمُوتَ فِي أَثْنَائِهَا مَوْتاً غَيْرَ مَحْمُودٍ بَلْ كَانَ يُلَقَّنُ مَا اخْتَارَهُ مِنْ ذِكْرِ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ .
وَالذِّكْرُ بِالِاسْمِ الْمُضْمَرِ الْمُفْرَدِ أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ ، وَأَدْخَلُ فِي الْبِدْعَةِ وَأَقْرَبُ إلَى إضْلَالِ الشَّيْطَانِ ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ : يَا هُوَ يَا هُوَ ، أَوْ : هُوَ هُوَ .
وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الضَّمِيرُ عَائِداً إلَّا إلَى مَا يُصَوِّرُهُ قَلْبُهُ ، وَالْقَلْبُ قَدْ يَهْتَدِي وَقَدْ يَضِلُّ ، وَقَدْ صَنَّفَ صَاحِبُ الْفُصُوصِ كِتَاباً سَمَّاهُ " كِتَابَ الْهُوَ " وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ } مَعْنَاهُ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ هَذَا الِاسْمِ الَّذِي هُوَ " الْهُوَ " .
وَقِيلَ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ بَلْ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَبْيَنِ الْبَاطِلِ ، فَقَدْ يَظُنُّ ذَلِكَ مَنْ يَظُنُّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ ، حَتَّى قُلْتُ مَرَّةً لِبَعْضِ مَنْ قَالَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قُلْتَهُ لَكُتِبَتْ ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ هُوَ ) مُنْفَصِلَةً .
ثُمَّ كَثِيراً مَا يَذْكُرُ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّهُ يَحْتَجُّ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ : " اللَّهُ " بِقَوْلِهِ : { قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } وَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَنْ يَقُولَ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ ، وَهَذَا غَلَطٌ
الفتاوى الكبرى — صفحة 211
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١١